الموضوع: قصة جميلة
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-18-2007, 07:40 AM   #1 (permalink)
معلومات العضو





أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 50
القلب المجروح will become famous soon enough


القلب المجروح غير متواجد حالياً

قصة جميلة

كان يا ما كان
:

قبل ثلاثة عقود مضت ، أي في الرابع من أبريل 1971م وهب الله سبحانه وتعالى وديعة إلهية مميزة لعائلة شابة ، هذه الوديعة لم تكن كغيرها من الودائع ، لأنها كانت فريدة من نوعها ، نعم لقد كانت هذه الوديعة عبارة عن جوهرة مكنونة ودُرة فريدة ، تحيرت الأُسرة الصغيرة في بادئ الأمر ! ماذا تفعل ؟ وكيف يمكنها المحافظة عليها من مكارة الدنيا ؟ وكيف تتعامل معها دون أن يصيبها أي خدش أو أذى ؟ فهذا بديهي أن نخشى على الشيء الغالي الذي نملكه . كانت صاحبة الوديعة قلقة جداً ، وفي الليلة الثانية من حصولها على هذه الدرة النادرة ، رأت في منامها بأن مولى الأنام حضرة من طاف حوله الأسماء دخل عليها الحجرة وحمل الجوهرة بين ذراعيه وأتجه نحو الباب . في هذا الحين التجأت إليه صاحبة الوديعة وهي تبكي ملتمسة أن يرجع إليها الجوهرة، هنا تفضل حضرته قائلاً لها: " كفى بكاء يا ابنتي لقد أخذتها لكي أشملها برعايتي وتمطر عليها دموع السماء التي هي عبارة عن الفيض الإلهي " . نعم بعد ومضة من الزمان أُرجِع الوديعة إلى مكانها وخرج حضرته من الحجرة كخروج الأشعة الساطعة . استيقظت صاحبة الوديعة من النوم ورأت السماء تمطر بغزارة ، هدأت منذ تلك الليلة ولم تبك بعد ذلك ، وزال عنها الحيرة والقلق والاضطراب ، ولكنها لم تشأ أن تخبر أحداً بحلمها وسبب هدوئها سوى زوجها الشاب الذي كان يقاسمها الحياة ، مضت أيام قليلة أجتمع فيها كبير الأسرة ( الجد الحنون) بجميع أفرادها كبيراً وصغيراً ، شيخاً وشاباً ليزيل عنهم الحيرة والقلق بإعطائهم النصائح والإرشادات للعناية بهذه الدرة الغالية وطلب إليهم بذل أقصى الجهد للارتقاء بها وتوفير كل وسائل الراحة والطمأنينة والحب لها وبارك وجود هذه الجوهرة المكنونة داخل أسرته بجلب الخير والبركة ، ثم طلب إلى الأسرة الصغيرة صاحبة هذه الدُرة الثمينة ( ابنته ) أن تصلي وتشكر ربها على عطيته الغالية
.

بدأت صاحبة الدرة الثمينة تقرأ المناجاة في البكور والآصال على العطية الغالية التي وهبها الله لهم
:
"
إلهي إلهي أشكرك في كل حال وأحمدك في جميع الأحوال، في النعمة الحمد لك يا إله العالمين ، وفي فقدها الشكر لك يا مقصود العارفين في البأساء لك الثناء يا معبود من في السموات والأرضين وفي الضراء لك السناء يا من بك انجذبت أفئدة المشتاقين ....... .

هذا الكنز المخزون والدرة المكنونة كانت عبارة عن طفل متخلف عقلياً ، عرفت الأم الشابة منذ اللحظات الأولى من الولادة عندما سألت : لماذا لا يبكي صغيري ؟ أجابتها الطبيبة بكل قسوة : "ابنكِ مجنون " في تلك اللحظة لم تتمالك الأم نفسها عن البكاء والعويل فأصيبت بهستريا ، أرادت الطبيبة أن تخفف عنها فقالت لها : ( لا تحزني فإنه سوف يموت يوم الاثنين أو بالكثير في نهاية الأسبوع ) سامحها الله ، لقد عانت الأم الصغيرة كثيراً من هول الخبر لولا عناية الله في تلك الليلة التي حلمت فيها ولولا وقوف أهلها إلى جانبها لفقدتَ أعصابها
.

نعم يا أعزائي كانت هذه الجوهرة المكنونة عبارة عن طفل متخلف عقلياً ؛ وذلك بسبب صغر حجم رأسه يتفضل الله في كتابه العزيز : بسم الله الرحمن الرحيم "... ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً
...."

هذه العطية الربانية كانت بمثابة امتحان عظيم لمدى صبر هذه العائلة الكبيرة وتقبلها لعطية مولى الأنام . هذا الطفل البريء كان في غاية الجمال والمحبة، تعلقت الأم بابنها الغالي تعلقاً شديداً بحيث كان يصعب عليها مفارقته لحظة واحدة وكذلك كان جميع أفراد الأسرة ، أحبوا هذا الضيف الإلهي وسعوا جميعاً إلى توفير كافة وسائل الترفيه والطمأنينة له . سمى رب الأسرة ضيفه العزيز باسم "صلاح " اعتقاداً منه بأن لله تعالى مصلحة وحكمة في آياته
.

كانت الأم تفتخر بوجود هذا الكنز الإلهي وتخرج به إلى كل مكان تذهب إليه حتى أصبح جزءا لا يتجزأ منها . لقد قامت الأم بهذا العمل لسببين أولهما : أن يتعود المجتمع البحريني ويشبع من رؤية هذا الطفل العزيز برأسه الصغير ويتقبله وثانياً : أن يفرض على الناس جميعاً احترامه عن طريق احترام الأم والعائلة له ، لأن في تلك الآونة لم يكن المجتمع البحريني يتقبل طفلاً متخلفاً أو معاقاً ، ظناً منهم بأن الأم ارتكبت معصية في حق أحد . تحملت الأم نظرات الناس القاسية و ألسنهم الجارحة والتعليقات الواردة على هذا الطفل البريء
.

كانت الأم في غاية الحنية على وليدها البكر ، وفي نفس الوقت سيطر عليها الحزن و القلق والاضطراب خوفاً أن يجرح ابنها الغالي من هذه الألسن السامة عندما يكبر ويفهم الحياة ، كانت خائفة أن لا تنجح في هذا الامتحان الإلهي ، لذا كانت بين الحين والآخر عندما ينفد صبرها وتتعب من مشاكل الدنيا ، تلجأ إلى الله وتبكي بحرقة شديدة وتطلب المزيد من الصبر
.

سعت الأم بكل وسعها أن تربي ابنها العزيز تربية ملكوتية روحانية وتزرع في نفسه حب الله وخشية الرحمن منذ نعومة أظفاره ، فلذا كانت تُسمعه نغمات الآيات الإلهية أثناء نومه وقبل استيقاظه فتربى هذا الابن البار على الإيمان بالله ورسله ، تعرف على أنبياء الله من خلال القصص التي كانت تروى له أمه ، لقد كان باراً بوالديه صادقاً ، أميناً
.

تعلق صلاح العزيز بالمسجلة والأشرطة بحيث أصبح يشتري لنفسه في كل أسبوع أربعة أشرطة من الأغاني والموسيقى
.

مرت الأيام بحُلوها ومُرها بتعبها وشقائها وكبر صلاحي المحبوب وسط أُسرة تحبه وتحترمه وتقدره وترفع من شأنه حتى استطاع أن يكون لنفسه شخصية مستقلة دون أن يعتمد على أحد ، فكان في غاية النشاط والحركة ، عشق الموسيقى والأعمال اليدوية والنجارة . بذلت الأم أقصى جهدها لكي تحصل على معلم خاص ينمي في قرة عينها ما يتمنى أن يتعلم ، ولكن دون جدوى . جاءت بكثير من معلمي المعاهد الخاصة لتعليمه الموسيقى وجاء كل واحد مع ذلك الأجر الكبير ولكنهم بعد جلسة أو جلستين اعتذروا ولم يكملوا المشوار ، ظلت الأم متحيرة لا حول لها ولا قوة ، فوجدت أن تشتري له كل أنواع آلات الموسيقى ، فانشغل الصغير بهذه الأدوات يعزف بنفسه ما يعرف ، لم يستطع صلاحي أن يتعلم القراءة والكتابة رغم مساعي الأم الحثيثة ولكنه تعلم كيف يرتب وينظف حاجياته الخاصة من ألعابه وأدواته ويعتني بنظافته الشخصية ، لقد كان في غاية النظافة والنظام ، والجمال له ذوق رفيع في اختياره لملابسه و كل ما يلزمه لديكور حجرته من الأثاث والستائر ، وكان دائما يختار أجود الأنواع من أي شيء يريده ، كان يحب التغيير كثيراً فيجدد شهرياً كل حاجياته . لقد كانت جميع طلباته وأمنياته تعتبر أمراً مطاعاً لدى الأم . كان دائماً الأفضل والأحسن في المنزل ، يتمتع بحب ورعاية خاصة من قبل جميع أفراد الأسرة ، كان طفلاً بريئاً صادقاً مؤمناً محبوباً ، مصدر الفرح والانبساط أينما يذهب كأنه نسمة الصبا تمر بخفة وانتعاش ، فقد في أيام حياته القصيرة كثيراً من أفراد أسرته ، فلذا أصبح يخاف من الموت ويقول دائماً : (أنا موت لا ) ،آه نسيت أن أحدثكم عن لغته . عندما قال الطبيب للأم بأن مفردات لغته قليلة ولا يستطيع أن يلفظ جميع الحروف ، قررت الأم أن تعلمه ثلاث لغات لعله يأخذ من كل لغة كلمة يستطيع بها أن يعبر عما يجول بخاطره , تعلم صلاح الحبيب اللغة العربية والفارسية بامتياز من حيث الفهم والاستيعاب ، وفهم اللغة الإنجليزية وتعلم بعض الكلمات وأستخدمها مع اللغات الأخرى في استعمالاته اليومية . لم يكن باستطاعته أن يركب الجملة صحيحة ولكنه كان يوصل للمستمع ما يريد ، اللغة الرابعة لصلاحي العزيز كان من أصعب اللغات ، وكان على الأم وأفراد العائلة أن يتعلموا هذه اللغة . تعلمت الأم لغة الابن العزيز التي كانت عبارة عن كلمات أو أصوات من مفرداته الخاصة . والويل لها أن لم تعرف لغة حبيبها فقد كان يزعل ويحزن ويصرخ عليها بقوله : ( ماما مجنون ). لم تكن الأم ترضى أن يكدر صفاء قلب ابنها وجمال روحه بقدر خردل من الحزن أو الألم . فلذا كانت تكتب كل كلمة من مفرداته في دفتر خاص وأمامها ما يعنيه ولدها الغالي حتى تستطيع أن تفهم ما يريد وبالتالي حتى لا يحزن فلذة قلبها ويتكدر صافي سلسبيل المحبة
.

امتنعت الأم عن الإنجاب لمدة عشر سنوات حتى تستطيع أن تتفرغ لجوهرتها الغالية وتعطيه من الحنان والحب ما يعوضه عن كل شيء . بعد عشر سنوات وهب الله تعالى هذه العائلة الكريمة ابناً باراً كي يكون سنداً وعوناً لصلاحي العزيز، وهكذا أصبح بعد ذلك لصلاح أخوان اثنان وأخت واحدة يلعب معهم ويعتني بهم ، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم لقد كان يراقب نموهم بكل عشق ومحبة ويفرح كثيراً عندما يجدهم يتكلمون. كان حنوناً مع جميع أفراد أسرته وبالأخص مع أمه ويكن لها احتراما خاصا . كان علاقته مع والدته كعلاقة الروح بالجسد ، إن مشت مشى وراءها وإن جلست جلس إلى جانبها كأنه ظلها الظليل يرافقها في كل مكان ، لذا كانت تسهر معه إلى الساعة الثانية وفي بعض الأحيان إلى الثالثة صباحاً حتى ينام ولدها متأخراً ليستيقظ ظهراً قرب مجيئها من العمل ، أما في سنواته الأولى فكان يذهب إلى روضة بيت الأمل ولكنه عندما بلغ سن الرابعة عشرة حول إلى مركز التأهيل التربوي وتعلم بعض الأعمال اليدوية وعندما وصل سن العشرين اعتذر المركز عن قبوله بحجة إعطاء المجال لأطفال الآخرين ، ولكن خروجه من المركز سبب له أزمة نفسية حادة بحيث سيطر عليه الحزن والألم وتحول إلى شاب منطوِ منكمشِ حزين ، التجأت الأم المسكينة إلى جميع الجهات والتمست منها أن يستمر ابنها الحبيب في مركز التأهيل ، ولكن عناد المدير وقسوة قلبه سبب في تكدر قلب هذا الطفل البريء ، الله يسامحه
.

بعد ذلك قررت الأم أن تسافر برفقته إلى الدول المجاورة لزيارة الأهل والأقارب لعلها تستطيع بهذه الأسفار أن تداوي جرح قلبه الصغير وتمسح عبراته وزفراته ، أحب صلاحي المحبوب السفر والسياحة وزيارة الأسواق والمنتزهات وزاد عدد سفراته في السنة الواحدة ، فتجول بين الدول المجاورة حيث كان لديه في كل دولة أهله وأقاربه ومن ثم سافر إلى روسية( الاتحاد السوفيت ) والهند ورافق جميع أفراد أسرته إلى تركية وهو في غاية السرور ، في سفرة تركية وتشرف صلاح إلى زيارة شمايل محبوب العالمين حدثت المعجزة فتحويل هذا الشاب العزيز إلى شاب أكثر هدوءاً واتزاناً وطاعة لوالدته . فهذه الزيارة غيرت الكثير من سلوكياته
.

ربما يظن البعض أن ترك بقية الأطفال في البيت مع والدهم كان إجحاف في حقهم وهذا ليس صحيحاً لأن أخوته الصغار تربوا منذ البداية على احترام أخيهم الكبير والاستماع له و مساندته وعرفوا بأن وجود صلاحي العزيز بينهم هو مصدر خير وبركة لعائلتهم وأن أخاهم بحاجة إلى هذا التغير ، عندما كبروا قليلاً كانوا أعظم عوناً وسنداً للأم في تلبية طلبات أخيهم الغالي لقد كانوا يحبون صلاحي حباً كبيراً ليس بدافع الشفقة والرحمة وإنما بدافع صلة الرحم ، لقد امتزج هذا الحب القوي في دمهم مع الحليب الذي كانوا يرضعونه من ثدي أمهم بأن الله عز وجل وهب لهم هذه الموهبة الإلهية وميزهم عن غيرهم من الناس كي يمتحن مدى صبرهم وقوة إيمانهم والرضا بمرضاته ، علمتهم أمهم أن لكل شيء علامة وعلامة الحب هو الصبر في قضاء الله والاصطبار في بلائه . لم يكن التعامل مع طفل متخلف عقلياً شيئاً هيناً وإنما في غاية الصعوبة ، وخاصة مع صلاحي العزيز لأنه بجانب تخلفه قد كان إدراكه قوياً وكان يزعل إن قيل له إنه متخلف فيقول أنا لستُ متخلفاً وفي بعض الأحيان يعترف بذلك
.

كان صلاحي الغالي يعشق المسرح ويذهب برفقة والدته إلى جميع المسرحيات التي تقام في بلده ، أما في السنوات الأخيرة عندما كبر أخوته الصغار ، فإنهم حملوا عن الأم عبئاً كبيراً ، يرافقون أخاهم الحبيب في ذهابه وإيابه أينما يريد دون أي خجل ، بل كانوا يفتخرون بمصاحبته ويدافعون عنه عندما كان المسكين يتعرض لأي استهزاء أو سخرية من قبل أناس جهلاء ، كان لديه ذاكرة قوية جداً يدرك كل ما يدور من حوله سواء أكانت أخبار المنزل أم الأخبار العالمية ، كان على علم بكل صغير وكبير يجري في أسرته بصفته مرافق لأمه ، لم تكن الأم تخفي عنه شيئاً سوى الخبر الذي يكدره ويحزنه ، فهي تجيب عن كل تساؤلاته مع أن هذه الإجابة كانت تأخذ منها وقتاً طويلاً وعملاً شاقاً لتوصيلها إلى فلذة كبدها بالصورة التي كان بإمكانه تفهم الموقف ، الشيء الوحيد الذي لم تستطع الأم أن تنجزه هو الزواج ، دائماً كان يقول أنا أريد أن أتزوج وأكون عائلة ويكون لي أطفال ، كان يحب النساء الجميلات ويصور معهن ويحتضنهن لا يهم من تكون هذه المرأة !! موضوع الزواج بدأ عنده منذ سن البلوغ وقاست الأم كثيراً ، بحيث كانت تذهب إلى الأطباء وأخصائي النفسي وتتشاور معهم في الوسائل التي تستطيع أن تهدئ ابنها العزيز ولكن دون جدوى و لجأت الأم أيضاً إلى التعويض المادي بشراء هدايا وألعاب جديدة له أو بانشغاله بالأعمال اليدوية ، كانت في كل مرة تقنعه بأنه مازال صغيراً وعندما يتزوج أخاه يأتي دوره ، يصدق تارة ويصرخ أخرى ويكتفي بشراء هدايا وإهدائها لمن تقابله في السوق أو أي مكان آخر
.

طلب في إحدى المرات أن يذهب إلى زيارة المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين آنذاك فأخذه والده لزيارته ، المقصود أنه كان ينال ما يريد في حدود الذي كانت تسمح له به أخلاقيات وإيمان الأسرة
.

فعندما كان يصاب بالزكام وترتفع درجة حرارته كانت الآم تجن من شدة خوفها عليه ولم يغمض لها جفن في فترة نقاهة الابن الغالي إلى أن يمن الله عليه بالشفاء . لم يبك صلاحي طوال حياته سوى مرتين ، يا ليت الأم لم تر مرارة هذا البكاء ، لأنه كان يجرح ويمزق إحساس كل من يراه
.

حلم والد صلاح قبيل فجر أحد الأيام بأن هيكل المبارك حضرة مولى الورى ، نظر إلى أبي صلاح وتفضل بقوله : " لابد أن يُهدم هذا البيت " فتساءل أبو صلاح أي بيت تقصد به حضرتك ؟ نظر إليه نظرة كلها حزن وألم وكرر الجملة نفسها ثلاث مرات وهو يبتعد رويداً رويدا . استيقظ أبو صلاح خائفاً وحزيناً لأنه معروف عنه في وسط العائلة بتحقق رؤاه وقال لزوجته : ماذا يعني حلمي هذا ؟ أجابت هي : " البيت في الحلم دلالة على الهيكل الإنساني وانهدامه يعني الموت وحلمك في الفجر هو دليل على قرب وقوع الحادث ، وبما إن عائلتنا الصغيرة تتكون من ستة أشخاص فالموت يخطف واحد منا وربما هذا الشخص أكون أنا ثم تساءلت : ولكن يا علي ماذا أفعل بابني الغالي بعد موتي ومن الذي يعتني به ؟ على أن أوصي أخاه وأخته ، لا أخاف من المستقبل المجهول ماذا يحدث لفلذة كبدي عندما يتزوج أخوته ؟ أظن الأفضل أن أوصي خالتي فهي أحن شخص في الأسرة وهي التي شاركتني تربيته في طفولته و أثناء غيابي في العمل ! " بكى أبو صلاح كثيراً ، ولكنها مسحت دموعه وقالت : ( حبيبي أنس الموضوع وأرض بقضاء الله فإن قضاء الله نافذ ، وإن لم أكن أنا فواحد آخر من العائلة
) .

وفي مساء تلك اليوم حكت الأم هذا الحلم لصلاحي العزيز وباقي أفراد الأسرة عند اجتماعهم حول جلسة الشاي ، فلاحظت علامات الحزن والأسى ارتسمت على وجه جوهرتها الغالية وتنهد ثم عبر بقوله : ( بابا مجنون ) .عندها أنقذت الأم الموقف بقراءتها أدعية وطلبت منهم نسيان الموضوع وترك الأمور بالاتكال على الله الفرد الواحد العليم
.

العجيب في الأمر أن بعد تلك الأمسية نسي الجميع الحلم ولم نتذكره آلا بعد أسبوعين من تحققه
.

صلاح العزيز كان مصاباً بثقب في قلبه ، ففي الآونة الأخيرة حوالي شهرين كان يشعر بالتعب والسعال الشديد مما سبب له نكسة صحية حادة وازداد من ضربات قلبه ، لازم الفراش لمدة يومين فقط وخلال هذه الفترة اتصل بجميع الأهل والأصدقاء وطلب إليهم أن يزوره في المنزل مدعياً أنه مريض ، كان في غاية السرور عندما يجد الناس يهتمون به ويزورونه فيقوم بضيافتهم بنفسه ويتبادل معهم الأحاديث ويمزح مع خالاته وأبيه وأخوته . زاد عليه في تلك الفترة الحيرة والقلق والاكتئاب الشديد ، يقضي طوال الليل جالساً متفكراً ، حاولت الأم أن تعرف ما سبب هذا التغيير المفاجئ الذي طرأ على ولدها الحبيب ؟ ولكن دون جدوى لأنه كان يصرخ في وجه أمه بعصبية كبيرة ، بالفطرة عرفت الأم أن ما يدور في دماغ ابنها الغالي أفكار كثيرة يصعب عليه إظهارها فعليها أن تساعده بذكر جميع الأسماء من القريب والبعيد أو باقتراح مواضيع عديدة لعله يجد فيها ضالته ويرتاح من عناء التفكير والحيرة ، كانت أحياناً تنجح في مهمتها و أحيانا أخرى تفشل في تقديم هذه المساعدة البسيطة لأقرب الناس إليها
.

لدى صلاح الغالي أخت تدرس خارج البحرين . كان صلاح يكلمها أسبوعيا عبر الهاتف لأنه كان متعلقاً بها كثيراً ، ذات يوم أصر على أمه أن يتكلم مع أخته وئام ، وفي أثناء الحديث قال لأخته
:
(
وئامي بيا بيا من عيون وئامي ، درس بس) ويعني من كلامه هذا ( أسرعي يا وئام في المجيء واكتفي بالدراسة لأنني متشوق لرؤياكِ ) بهذا التعبير البسيط أخذ يصر على رؤية أخته ويصر يوميا على الاستعجال من مجيئها حتى ظنت الأم أن مكروهاً بانتظار ابنتها الحبيبة دون أن تفكر في أبنها الغالي . لم يطل انتظارصلاح لأن وئام وصلت إلى البحرين في مساء اليوم الذي انتهت من الامتحان ، لأول مرة في المطار كان ينظر إلى الساعة ويقول لأمه وهو قلق أشد القلق أين وئامي ؟ لماذا تأخرت ؟ آه من اللحظة التي قابل فيها أخته كان منظراً محزنا لأول مرة تنهمر الدموع من عينيه الصغيرتين ويحتضن أخته بحرارة لم يسبق لها بمثيل . قضى صلاحي الحبيب فقط يوماً واحداً مع أخته . في مساء يوم الأحد استأذنته والدته في الذهاب إلى بيت خالته ، امتنع صلاحي في بادئ الأمر وطلب من أمه أن تجلس بجانبه ولكن الأم قالت : في أثناء تناولك للعشاء مع أختك أذهب وأرجع إليك ، أطاع كلام أمه دون أي اعتراض وقال لها ارجعي بسرعة أحب أن تكوني بجانبي .

في أثناء العشاء أخذ يمزح مع أخته والخادمة ثم سأل الخادمة : هل أمك وأبيك ماتوا ؟ قالت : نعم

ثم سألها هل أولادك ماتوا ؟ أجابت لا ، هنا قال صلاح لأخته : أنا شفتك وعندما ترجع ماما والبابا من بيت خالتي أشوف ماما و أموت . لم تصدق كلتاهما ما قاله هذا الروح الصادق لهذا الطفل البريء
.

كان صلاحي العزيز واقفاً على الدرج بانتظار والدته التي كانت كل شيء في حياته الدنيوية ، فجاء لاستقبالها وقال لها أشعر باللوعة ولا أستطيع أن أتعشى ، ذهبت الأم بسرعة وجهزت له حليب بالشوفان وقالت له عليك أن تأكل قليلاً منه ، أطاع أمه وأكل ملعقة واحدة وسرعان ما لحقها إلي حجرة المكتبة وقال :أشعر بآلام في الفكين وباللوعة ولا أستطيع أن آكل شيئاً ، وصفت له الأم أنواعاً من الدواء تهدئ من آلامه ولكنه أمتنع وهو يضحك ويقول لا ينفع شيء خلاص ، لا أريد دواءً ولا مهدئاً ، نعم لقدكان الحديث مستمراً بينهما وهو متكئ بذراعيه على طاولة مكتب الأم وهو ينظر إليها واستغرق في التفكير مرة أخرى وفي ومضة سقط الابن البار والصبور ، على طوله أمام الطاولة دون أن يسمع منه أحد كلمة آه ودون تعباً وأذية ، حاول صلاحي الغالي أن يرفع رأسه عن الأرض ولكنه لم يقدر ، صرخت خالته وهي تستغيث ببقية أفراد العائلة والأم المسكينة تستغيث بربها وهي تقرأ عليه ما حفظت من الأدعية والآيات الإلهية وعندما نادته أمه قائلة : لا تتركني يا حبيبي ، هنا فتح عينيه الصغيرتين و هو ينظر إلى أمه نظرة وداع وكأنه يطلب منها السماح والرحمة وشهق شهقة قوية وهو بين أحضانها ثم أصبح جسماً جامداً، جاء الأب والأخوة وحملوه إلى غرفة الصالة ، هنا فتح عينيه على صوت أمه مرة ثانية فألقى نظرة وداع على كل فرد من عائلته العزيزة ثم شهق شهقتين وهو بين أحضان والده الحنون وأخوته فصعدت روحه الطاهرة إلى الفردوس الأعلى في ليلة الاثنين 12 من شهر السلطان 158بديع الموافق 28 من يناير 2001م في الساعة 45: 11 قبل منتصف الليل عن عمر ناهز 30 سنة ميلادية . نقل حبيب الأسرة وخيرها وبركتها إلى المستشفى ولكن دون جدوى، فقدت الأم جوهرتها الثمينة إلى الأبد . نعم لقد ضاعت الدرة المكنونة بين حسرة الأم وأحزان الأسرة التي لم تستطع أن تخدم ابنها البار أكثر من ثلاثين سنة . هكذا جاء صلاحي العزيز إلى الحياة دون أن يبكى وودع الحياة الفانية دون صوت ولا عويل
.
·
قبل شهر واحد من وفاته طلب إلى والدته أن تأخذه إلى وزارة الإعلام ليرى المذيعات والمذيعين ويصور معهم أو يمثل على المسرح ، فبعد الاتصال بالرئيس التنفيذي للإذاعة والتلفزيون السيد خليل الذوادي سمح له هذا الرجل الشهم ، وأمر المسؤولين بتهيئة كافة وسائل الراحة له ووصى الجميع باستقباله وتنفيذ رغباته . قضى صلاح العزيز في تلك الأمسية وقتا ممتعاً وفي النهاية جاء الرئيس ليودعه ، قبله وصور معه، يستحق هذا الرجل الشهم كل تقدير واحترام لأنه عامل صلاحي العزيز لإنسانيته ولم ينظر قط لتخلفه بارك الله فيه وحفظه من كل مكروه .

مع وجود التغييرات الكثيرة في حياة صلاحي العزيز في الآونة الأخيرة لم تفكر الأم قط في فقدانه يوماً ما
.
·
الحادث الثاني قبل أسبوع قال ًلأمه : ماما ماذا تفعلين عندما أموت ؟ قالت الأم : بسم الله عليك لا تقل هذا عسى ماما تموت سأزعل منك يا حبيبي إن كررت ذلك مرة أخرى ، ولكنه كرر سؤاله مرة ثانية وأصر على جواب يرضيه ، قالت الأم : إن مات صلاحي سأبكي كثيراً ولا أريد الحياة من بعدك .ضحك صلاحي الحبيب ضحكة طفولية وبصوت عالٍ وقال : ( ماما موت لا ، أنا موت ، أنا موت ) ثم أشار بيده وقال : أبكي قليلاً ولكن لا تكثري في البكاء لأنني لا أحب حزنك وألمك .

قبل فترة قليلة تنازل عن كل ما يملك من الثياب والأدوات وألعابه وكل يوم كان يتخلص من مجموعة مما لديه حتى أجبرت الأم على شراء مجموعة جديدة من الثياب ولكنه كان يصرخ عليها ويقول أنني لا أريد شيئاً ، وبعد ذلك بدل حجرته ونزل في حجرة أخته التي كانت مسافرة ( لأن حجرة أخته كانت قريبة من حجرة نوم والدته ) وعندما استفسرت الأم عن سبب هذا التغيير المفاجئ في حياته قال: لا أريد أن أموت وأنا بعيد عن الماما فهنا بإمكانكِ أن تسمعينني أفضل
.

لدى الأم كثيراً من الحوادث التي كانت توحي بطيران هذا الروح من مقامه الأدنى إلى المقام الأعلى ولكن الإنسان يكون دوماً في غفلة لا يعرف إلا بعد فوات الأوان
.

كانت هذه لمحة صغيرة من حياة أغلى عطية وهبني الله في الحياة ولا زالت روحه الطاهرة ترافقني في كل مكان ، سواء في يقظتي أو منامي
.

يا رب الرحمن أكرم مثواه وأنزله نزلاً أعددته لخيرة خلقك وأعزة صفوتك ، إنك أنت الرؤوف البر العطوف الحنون العفو الودود المنان
.

الأسى والحزن الوحيد الذي يؤلم الأم ليس فراغ ابنها الغالي لأنها على ثقة تامة بالكلمات الإلهية وبالمكان الذي يعيش فيه الآن فلذة كبدها حيث يطير روحه الطاهر في كل مكان وبحرية لم يسبق له مثيل ، وإنما تتألم لأنها لم تستطيع أن تخدم ابنها البار كما يجب ، آملة أن تشفع لي روحه الطاهرة في ملكوت الأبهى بالغفران عن قصوري في خدمته
منقوووووووووووووووول
.


رد مع اقتباس