عن عائشة رضي الله عنها قالت :
قال رسول الله : (( عشر من الفطرة
: قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص
الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص
الماء ، يعني الاستنجاء )) قال الراوي : ونسيت العاشرة إلاّ أن
تكون المضمضة . رواه مسلم .
*الفطرة:
هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها ، وجعلهم مفطورين عليها :
على محبة الخير وإيثاره ، وكراهة الشر ودفعه ، وفطرهم حنفاء
مستعدين ، لقبول الخير والإخلاص لله ، والتقرب إليه ، وجعل تعالى
شرائع الفطرة نوعين :
* أحدهما :
يطهر القلب والروح ، وهو الإيمان بالله وتوابعه : من خوفه ورجائه
، ومحبته والإنابة إليه . قال تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
(الروم:30) . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الروم:31) } فهذه
تزكي النفس ، وتطهر القلب وتنميه ، وتذهب عنه الآفات الرذيلة ،
وتحليه بالأخلاق الجميلة ، وهي كلها ترجع إلى أصول الإيمان
وأعمال القلوب .
* والنوع الثاني :
ما يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته ، ودفع الأوساخ والأقذار عنه ،
وهي هذه العشرة ، وهي من محاسن الدين الإسلامي ؛ إذ هي كلها
تنظيف للأعضاء ، وتكميل لها ، لتتم صحتها وتكون مستعدة لكل ما
يراد منها .
فأما المضمضة والاستنشاق : فإنهما مشروعان في طهارة الحدث الأصغر
والأكبر بالاتفاق ، وهما فرضان فيهما من تطهير الفم والأنف
وتنظيفهما ، لأن الفم والأنف يتوارد عليهما كثير من الأوساخ
والأبخرة ونحوها ، وهو مطهر إلى ذلك وإزالته ، وكذلك السواك يطهر
الفم فهو (( مطهرة للفم مرضاة للرب )) ولهذا يشرع كل وقت ويتأكد
عند الوضوء والصلاة والانتباه من النوم ، وتغير الفم ، وصفرة
الأسنان ، ونحوها .
وأما قص الشارب أو حفه حتى تبدو الشفة ، فلما في ذلك من النظافة
، والتحرز مما يخرج من الأنف ، فإن شعر الشارب إذا تدلى على
الشفة باشر به ما يتناوله من مأكول ومشروب ، مع تشويه الخلقة
بوفرته ، وإن استحسنه من لا يعبأ به . وهذا بخلاف اللحية ، فإن
الله جعلها وقاراً للرجل وجمالاً له . ولهذا يبقى جماله في حال
كبره بوجود شعر اللحية . واعتبر ذلك بمن يعصي الرسول -صلى الله
عليه وسلم- فيحلقها ، كيف يبقى وجهه مشوهاً قد ذهبت محاسنه
وخصوصاً وقت الكبر ، فيكون كالمرأة العجوز إذا وصلت إلى هذا السن
ذهبت محاسنها ، ولو كانت في صباها من أجمل النساء وهذا محسوس ،
ولكن العوائد والتقليد الأعمى يوجب استحسان القبيح واستقباح
الحسن .
وأما قص الأظفار ونتف الإبط ، وغسل البراجم ، وهي مطاوي البدن
التي تجتمع فيها الأوساخ - فلها من التنظيف وإزالة المؤذيات ما
لا يمكن جحده وكذلك حلق العانة .
وأما الاستنجاء - وهو إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر -
فهو لازم وشرط من شروط الطهارة .
فعلمت أن هذه الأشياء كلها تكمل ظاهر الإنسان وتطهره وتنظفه ،
وتدفع عنه الأشياء الضارة والمستقبحة والنظافة من الإيمان .
والمقصود : أن الفطرة هي شاملة لجميع الشريعة باطنها وظاهرها ؛
لأنها تنقي الباطن من الأخلاق الرذيلة ، وتحليه بالأخلاق الجميلة
التي ترجع إلى عقائد الإيمان والتوحيد ، والإخلاص لله والإنابة
إليه وتنقي الظاهر من الأنجاس والأوساخ وأسبابها ، وتطهره
الطهارة الحسية والطهارة المعنوية ، ولهذا قال : -صلى الله عليه
وسلم- : (( الطهور شطر الإيمان )) وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [ البقرة :
222 ] .
فالشريعة كلها طهارة وزكاء وتنمية وتكميل ، وحث على معالي الأمور
، ونهي عن سفاسفها ، والله أعلم .
[ من كتاب ( بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار بشرح
جوامع الأخبار للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى )
صـ 64 - 66 ] .