جلس ( الشحات ) كعادته كل ليلة في رمضان أمام وجبة الإفطار ؛ في انتظار انطلاق المدفع ، أنها الليلة الأخيرة ؛ لكنه ليس ككل الشباب اللذين يفطرون الليلة وسط عائلاتهم مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم ، انحدرت دموعه مالحة أجاجة ، انطلق مدفع الإفطار ، أشعل سيجارته وراح ينفث دخانها محاولا أن ينفض به ما يلج في صدره من هم وضيق ؛ بطريقة لا اراديه امتدت يده لتشعل السيجارة الثانية فالثالثة ؛ انقضت الباكت كاملا بين أطراف أصابعه ، يبحث بين جنباتها عن سيجاره أخرى ، أحس باحتراق أطراف أصابعه من السيجارة الأخيرة ، أطاح بالباكت في أحد أركان الحجرة ، ألقى بالسيجارة في المنفضة ،هب واقفا عازما على مغادرة هذه الغرفة القذرة التي تنبعث منها روائح الدخان ؛ تلك الغرفة الغير مرتبة التي لا تحوي من الأثاث سوى سرير قديم لينام عليه ؛ وحصير من البردي في أرضيتها ؛ وتليفزيون انتهى عمره الافتراضي منذ زمان بعيد ؛ وضعه على منضدة صنعها هو بنفسه من بقايا الأخشاب القديمة التي عثر عليها في أركان المنزل ...
فتح باب الغرفة المطل على الشارع ؛ هب النسيم على وجهه ؛ استنشق شهيقا عميقا ملأ به صدره ؛ ثم زفره في الهواء لعله يجلى به ما يملأه من الهموم والأحزان ومعها أدخنة السجائر والدخان ، وقف لحظات يتأمل الشارع الخالي من المارة تماما ، الجميع يتناولون طعام الإفطار مع أسرهم ؛ إلا هو لم يجد من يشجعه ، يدير عينيه في جوانب الشارع ؛ كأنه يبحث عن شئ ما فقده ؛ لكنه نفسه لا يدري ما هو؟ ، بدأ يسير متثاقل الخطى يترنح يمينا ويسارا ، توقف فجأة عندما جذب انتباهه أم تحايل طفلها لينهض يتناول معهم الإفطار ، ما أن لمح المشهد ببصره إلا وابتسم متعجبا ! ؛ لقد شعر بالغبطة لهذا الطفل الصغير ...
انحدر ( الشحات ) إلى الشارع الرئيسي في القرية ، لا أحد من المارة الشارع خالي تماما ، إلى أين يسير لا يدري ، وجد قدماه تحملاه إلى مدخل القرية ، لوح بيديه لسيارة ؛ توقفت !!! ؛ سأله السائق إلى أين ؟ ؛ انتبه إليه من غفلته ؛ وأيقظه سؤال السائق من ثباته العميق ؛ ولكنه لم يجد جوابا فلاذ بالصمت الثقيل ، لم يكرر السائق سؤاله والتفت إلى طريقه ، واصل السير دون انتظار للجواب ، لكن الشحات جلس يحاور نفسه ويسألها عله يجد جواب ،فشل في الحصول على جواب حتى توقفت السيارة وغادرها الجميع ؛ ودعاه السائق للنزول ...
دلف من السيارة متباطئا يسير على قدميه ؛ لأول مرة يشعر بالزحام هناك الكثير من المارة حيث المدينة بزحامها ، علت الابتسامة ثغره ؛ووقف يتنقل ببصره بين المارة ؛ وهو لا يدرى إلى أين يذهب ؛ قدمه تسير وحدها حفظت طريقها اليومي ، وجد نفسه جالسا على المقهى الذي اعتاده يوميا ، منحه ( الجرسون ) بعض الحبات حمراء اللون ؛ التهمها كالطفل الجائع ، تراكمت الهموم على ذهنه ؛ ذكريات أليمة تمر بخاطره ؛ مآقيه تنهمر بالدموع ؛ لا يشعر بأحد ممن حوله ، والجميع ينظرون إليه متأملين متفحصين ، ارتفع أذان الفجر ، اليوم عيد الفطر المبارك ، انه لم يشعر بطعم الأعياد في حياته ، دعاه الجرسون للانصراف لصلاة العيد ، ذكريات أليمة تمر بخاطره من أيام الصبا ، ذكريات لا تحمل سوى الهموم والأحزان ؛ حتى تلك النسمة التي أضاءت حياته حرمه منه خاله ، فبعد انفصال والديه تزوج أبيه وتزوجت أمه ،واستقر به المقام في منزل خاله ، ارتبط بعلاقة عاطفية بابنة خاله " نسمة " ، رفض خاله زواجهما ، عاد إلى منزل والديه القديم المتهدم المهجور منذ انفصالهما ، ذكريات مؤلمة ،عقله يبكى تارة ويبتسم تارة ...
عاد إلى قريته وجموع المصلين قد خرجت بعد الصلاة ؛ اليوم عيد أنه لا يدري لماذا ؛ ولماذا هذه الجموع ، لمح منزله من بعيد ، ابتسم لنفسه ؛ فتح باب حجرته ، يتجول بين أركانها ببصره ، لفحت أنفه رائحة دخان السجائر ، انه يشعر بالجوع الشديد ؛ لقد نسي أنه ما يزال بدون إفطار ، لمحت عينه الطعام المعد ، استغاثت به معدته من شدة الجوع ، لم يعيرها اهتمام ، ما أن وقع بصره على السرير إلا وأسرع يلقى بجسده الثقيل عليه ، وغاب عن الوعي وذهب من الدنيا في ثبات عميق ...