يلملم سالم حاجاته مسرعا ،فلم يتبقى على بدء خطر التجوال في مدينة القدس سوى ساعتين
يجب ان يخرج من المكتب قبل ان تزدحم الشوارع
بالعائدين الى بيوتهم . فما زال امامه السير لاكثر
من عشرون دقيقة فالحافلة لا تمر الا بالشوارع
الرئيسية انها معاناة كل يوم . يخرج سالم من
المكتب مسرعا ومتجاهلا رد السلام فربما يجره رد السلام الى ثرثرة لا طائل منها سوى التاخير واضاعة الوقت . الحمد لله لم تتاخر الحافلة ،ما شاء الله مقعدان خاليان ،اعتقد ان الجلوس بجوار هذا الصبي سيكون افضل من الجلوس بجوار السيدة . تفحص سالم الصبي بنظرة عابرة . انه لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره . ولكن لماذا يدور ببصره من خلال
النافذة وكأنه يبحث عن شيئا ما !! افضل شيئ ان احاول الاسترخاء قليلا فما زال الطريق طويلا
التفت الصبي الى سالم فبادله سالم بنظرة ترحاب تجاهلها الصبي ليعود الى النافذة . من الواضح ان
هذا الصبي غريب الاطوار ربما يمر بأذمة عاطفية
او ربما هي اعراض الحب الاول ،وبينما سالم منشغل التفكير التفت اليه الصبي وسأله . هل ذقت طعم الموت ؟ طعم الموت ؟ قالها سالم متعجبا فزعا من
هذا السؤال المفاجئ . فشعر بأن كلمة كانت
مجحفة لشخصية هذا الصبي ،رد سالم وماذا يعرف صبي في مثل عمرك عن الموت ؟ اجابه الصبي
ليس اكثر مما تعرف انت وليس اقل . فماذا تعرف انت عن الموت ؟ قال سالم الموت هو الموت ،اجابه الصبي .هل رايت نحن لا نعرف شيئا عن الموت فمن منا يستطيع ان يصف ملامح الموت ؟ وكذلك الموت
لا يعرفنا ،فهو لا يميز صغيرنا من كبيرنا ،ولا ضعيفنا من قوينا ،ولا فقيرنا من غنينا . فنحن والموت كمسافرين في قطارين متعاكسين لا نلتقي الا للحظات معدودة لا تكفي للتعارف . قال سالم باعجاب
صدقت ولكن من في مثل عمرك يتحدث عن الموت ؟
الموت سلعة بائرة لا يشتريها الكبار عندما يجب عليهم ذلك . لذا يجدها الصغار في الاسواق بابخس الاثمان ربما . قالها الصبي مفضلا . قطع هذا الحوار ومتعجبا من هذه الفلسفة الغريبة التي تورط في الانصات اليها . ثم ما لبث ان التفت الصبي ثانية الى سالم ،وقال لم تجبني على سؤالي . هل ذقت طعم الموت ؟ قال سالم . الموتى فقط هم من يذوقون طعم الموت اما الاحياء فلا . اجابه الصبي الموتى لا يتذوقون لانهم موتى ! قال سالم اذا كان الموتى لا يذوقون طعم الموت فكيف تدعي ان الاحياء يذوقونه ؟
لان الاحياء هم من انعم الله عليهم بالادراك ،لذا فهم يتذوقون . ولكن الم تقل اننا لا نعرف شيئا عن الموت
رد الصبي ،صحيح ولكننا نستطيع ان نشم رائحته
ان نتذوق طعمه . كيف ونحن لا نعرفه ؟ اجابه الصبي عندما تخرج من بيتك كل صباح تتلمس الموت . تذوق طعمه ،عندما تجوب الشوارع والطرقات تذوق طعمه ،عندما تطارده بجسدك غير مبال ،تذوق طعمه ،عندما تشعر به امامك تذوق طعمه . نظر سالم الى الصبي مرتابا وقد سرت باطرافه قشعريرة باردة . نفض الفكرة عن ذهنه سريعا ربما الحديث عن الموت هو ما يفزعه ولم لا فالنفس البشرية تجزع من الموت . ولكن ما بال هذا الصبي يتحدث عن الموت وكأنه صديق حميم له !! حاول سالم مجاذبة الصبي اطراف الحديث مرة اخرى فساله الى اين انت ذاهب ؟ رد الصبي الى دياري . هل كنت في المدرسة ؟ لا . هل تعمل ؟
نظر اليه الصبي بحزن وقال . ابي لا يجد عملا وكذلك اخي الاكبر . اذا من اين اتيت ؟ من بيتي . الم تقل منذ لحظات انك في طريقك الى بيتك ؟ قال الصبي
لا وانما قلت انا في طريقي الى داري . تراقصت الحيرة في عيني سام مغلفة كلماته (قادم من بيتك
)
وفي (طريقك الى دارك)؟ اجابه الصبي نعم وما الغريب في هذا ؟ لا شيئ ،شعر سالم بالرغبة في النهوض . بالتاكيد هذا الصبي ليس طبيعيا . تمنى سالم لو تسرع الحافلة قليلا . تمنى لو لم يستقل هذه الحافلة او لم يراها . حس بالندم لانه لم يرد
السلام على زميله اثناء خروجه من المكتب
.
فتحركت ملامحه الجامدة ليمتلئ وجهه لاول مرة
بابتسامة مودة . وقال بعض الكلمات فلم يمهلني الوقت للتفكير في معنى كلماته . فقد صرخ فجأة مستوقفا السائق لينهض مهرولا الى الباب الامامي وقبل ان يهبط من الحافلة . توقف فجأة وكأنه تذكر
امرا مهما . نظر الى السيدة التي بجواري ،عانقها بعينيه ،قبل يديها وسألها الدعاء . اطالت النظر اليه وكأنها تحفر ملامحه في ذاكرتها ،احتضنته بعينيها
مشكوووووووور على الموضوع الرائع الجميلة يا [ فقط المشتركين فى المنتدى يمكنهم رؤية الرابط . اضعط هنا للتسجيل ... ] vbmenu_register("postmenu_78522", true); تقبل مني لك بالتوفيقـــــ