قل لصاحبك إننى ذاهب لكى أحل لا لكى أعقد - نص رسالة حملها سيد مرعى عام 1979 إلى الأستاذ هيكل من السادات.. ردا على رجاء هيكل من سيد مرعى أن يذكر السادات بإثارة موضوع الأسلحة النووية الإسرائيلية أثناء مفاوضات كامب ديفيد، وفى 26 فبراير 1981 أصدرت وزارة الخارجية بيانا جاء فيه أن توقيع مصر على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية يتفق مع مصالحها العليا.
وما قبل رسالة السادات وبعد بيان وزارة الخارجية كانت الصورة قد تبدلت داخليا وخارجيا آلاف المرات حتى أصابت المصريين بعمى الألوان واستسلم الناس لأكذوبة أن وقف البرنامج النووى المصرى يتفق مع المصالح العليا. لتمر الأيام والسنون ويخرج علينا جمال مبارك ملقيا قنبلته الدخانية فى صورة مبادرة من الحزب الوطنى للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ناسيا أن حقيقة ما يطرحه الآن وقصة بيع البرنامج النووى المصرى فى عهد السادات ومبارك وأحقية مصر فى الخروج من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية كلها محفوظة داخل تقرير سرى صدر فى التسعينيات يحمل رقم 8 لجنة خاصة مجلس الشورى.. الجميع يخشى الاقتراب منه وتعالوا نعيد قراءته وتقليب صفحاته لنعرف الحقيقة.
تمهيد علمي
معروف أن البرنامج النووى المصرى بدأ التفكير فيه والتنفيذ مبكرا جدا فلم يكن مضى على قيام الثورة عامان، حتى بدأت الثورة فى اتخاذ الخطوات العملية فى بدء البرنامج، وكان للبرنامج بُعدان أولهما استراتيجى والثانى علمى واستقر الرأى وقتها على تشكيل لجنة للطاقات الذرية ألحقت برئاسة الوزراء، إلا أنها عدّلت بقانون والحقت برئاسة الجمهورية، وكان يرأس مجلس إدارتها الرئيس جمال عبدالناصر، وكانت مهمتها فى هذا الوقت وضع البرنامج النووى المصرى موضع التنفيذ وقامت اللجنة وقتها بوضع خطة تنظيم استخدامات الطاقة النووية على المدى القريب والبعيد.. لهذا قامت حكومة الثورة بوضع برامج فرعية فى مجالات مختلفة، وذلك انطلاقا من إيمانها بضرورة ملاحقة الركب العلمى، بالإضافة إلى أهمية عدم الاعتماد على الخبرة الأجنبية إلا فى حدود تسمح بتكوين الخبرة المحلية الوطنية، لذا قامت الثورة فى ذلك الوقت بإرسال عدد من البعثات الدراسية للدراسات العليا فى مختلف الجامعات الأجنبية فى مجموعة متكاملة من التخصصات التى تخدم البرنامج النووى المصرى، وكان هذا العدد من مبعوثينا هو النواة التى قامت عليها مراكز أبحاث الطاقة النووية والأقسام العلمية المعنية المتصلة بهذا المجال فى جامعتنا.
فى السياق ذاته، كانت الدولة قد تمكنت من إنشاء مركز النظائر المشعة الذى كان يقوم على استيراد النظائر والإشراف على استخدامها فى مجال الطب والصناعة والبحث العلمى، وأجرى المركز العديد من البحوث الجيولوجية فى مناطق مختلفة فى صحارى مصر بغرض اكتشاف وتقييم ما يوجد بها من العناصر المشعة، وكان الاهتمام الأكبر بالرمال السوداء الموجودة عند مصب النيل ب رشيد وما تحتويه من عنصر الثيوريوم المشع، وأكدت الدراسات أن اليورانيوم وغيره من المواد اللازمة للبرنامج النووى منتشرة فى كل أنحاء مصر، فالطبيعة الجيولوجية والتراكيب الصخرية والدراسات التى قامت بها هيئة المواد النووية أكدت توافر اليورانيوم بشكل يسهل مهمة المسئولين لصناعة القنبلة فى صحارى سيناء وجنوب الصعيد وأن اليورانيوم متوافر فى صخور الفوسفات المنتشرة فى الوادى الجديد، وإذا كانت الطبيعة قد منحت مصر كل مقومات دخول النادى النووى ومع ذلك ترفض حكومتنا قبول العضوية، فإننا نجد أن كل اليورانيوم الذى استخدمته إسرائيل فى صناعة برنامجها النووى جاء بأساليب غير مشروعة من سرقة وقرصنة.
وكان الهدف الأكبر للمرحلة الأولى من البرنامج النووى المصرى هو تهيئة الدولة للدخول فى العصر النووى، وقد تصادف فى ذلك الوقت أن تمكنت الهند من بناء أول مفاعل ذرى لها، وكانت العلاقات السياسية وقتها تسمح بالتعاون فى هذا المجال.. وقتها لن تترد الحكومة المصرية فى توقيع اتفاقية تعاون نووى معها ونهجت الحكومة المصرية النهج الهندى الذى يعتمد على التصنيع المحلى المصاحب للبحث العلمى وتعد هذه الفترة مهمة جدا فى تاريخ التجربة النووية المصرية، حيث تمكنت الكوادر المصرية من الاستيعاب بسرعة مذهلة كانت محل غيرة وحقد الغرب بعد أن شاركت الحكومة المصرية بوفد رفيع المستوى أثناء تأسيس الوكالة الذرية للطاقة، وعقب تأسيسها، تمكنت مصر من عقد اتفاقية جديدة للتعاون فى مجال الطاقة الذرية مع الاتحاد السوفييتى وبموجب هذه الاتفاقية حصلت مصر على أول مفاعل ذرى خاص بالبحوث العلمية، وكانت الاتفاقية وقتها ذات دلالة ومغزى، ولعل أهم ثمار هذه الاتفاقية كانت التمهيد لبدء المرحلة الثانية.
وقبل اتخاذ الخطوات العلمية لبدء المرحلة الثانية للبرنامج النووى المصرى بدأت المضايقات الغربية للبرنامج النووى المصرى ومطاردة العلماء حتى إن السفير الأمريكى بالقاهرة استشعر خطورة البرنامج المصرى، فكتب لرش يوس باتل: علمنا ذلك اليوم أن هناك مفاوضات بين الحكومة المصرية وشركة سيمنز الألمانية لبناء مفاعل نووى يتكلف 700 مليون مارك ألمانى، وتفضل الحكومة شراء المفاعل لأنه يستخدم اليورانيوم الطبيعى وهذا يجعله أفضل لإنتاج الأسلحة النووية، وهنا تتوقف مناقشات الأعضاء بمجلس الشورى، ويدور التساؤل حول أسباب عرقلة البرنامج المصرى، وكانت محصلة هذه التساؤلات تدور كلها حول إذا ما كان لنبوغ العلماء المصريين دور أم لا.
ولم ينس الأعضاء أثناء المناقشة أن يثيروا مشكلة العراقيل، وظل السؤال مطروحا أمامهم حول أسباب الإصرار على وضع عراقيل أمام توفير المعونات الفنية والمادية وهل يكون ذلك طبقا لمخطط خارجى يستهدفنا بالذات، على الرغم من حسن نوايانا وتعهدنا للمجتمع الدولى من خلال توقيعنا على اتفاقية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، ومع التساؤلات والعجز عن إيجاد إجابة واضحة ومحددة حول العراقيل أمام البرنامج النووى المصرى يخرج الأعضاء عن صمتهم وتشتعل درجة سخونة الحوادث ليتكشف المزيد من الأسرار، وكانت أول تلك الأسرار هو المناقشات التى دارت بين السادات ونيكسون أثناء زيارته بعد حرب أكتوبر والتى انتهت بإبرام عقد توفير خدمات الوقود النووى لمحطة قدرها 600 ميجاوات بين مصر ولجنة الطاقة الذرية الأمريكية.. وفى عام 1979 كانت الظروف مختلفة تماما سواء فى الداخل أو الخارج.
ففى الداخل كان السادات قد تورط فى زيارته إلى إسرائيل، وكان يبحث عن أى التزام من الجانب الإسرائيلى بعد أن باعدت الزيارة بينه وبين الشعب من ناحية وبينه وبين العرب، من ناحية أخرى وفى ذلك الوقت كانت المؤسسة التشريعية فى مصر تضغط للإسراع بضرورة البدء فى إنتاج السلاح النووى، حيث خرجت كل توجيهات مجلس الشعب على المضى بأسرع وقت ممكن حتى وصلت التوصيات بضرورة تجنب جزء من عائدات البترول للمساهمة فى تطوير البرنامج النووى.
القفز فى الهوا
داخل بيت سيد مرعى رئيس مجلس الشعب فى ذلك الوقت، وفى حضور السادات وهيكل، قال سيد مرعى: الرئيس سوف يفرقع اجتماع كامب ديفيد ويعلن للعالم، إذا لم تتحقق له شروطه كاملة، وقال: إن الرئيس السادات سلمه مظروفا مغلقا يحوى تعليمات بطريقة تنسيق خطة لحملة شاملة ضد بيجن تلقى عليه مسئولية فشل مبادرة السلام. وأثناء العشاء رجا هيكل صديقه سيد مرعى أن يذكر السادات بإثارة موضوع الأسلحة النووية أثناء المفاوضات لأنه لا يصح أن يعقد اتفاق ولا يمكن أن يقوم سلام فى ظل سلاح نووى تنفرد به إسرائيل.
وبالفعل نقل سيد مرعى هذه الرسالة إلى السادات، وكان تعليقه عليها كما نقلها سيد مرعى: قل لصاحبك إننى ذاهب لكى أحل لا لكى أعقد.
الصورة فى الخارج
والصورة فى الخارج كانت أكثر قتامة بالنسبة ل السادات، وكانت الضغوط التى مارسها عليه الغرب، وتحديدا كارتر، تصب كلها فى قناة تنفيذ الشروط الإسرائيلية والدليل على استجابة السادات للضغوط، ما جاء فى كتاب مستشار الأمن الأمريكى فى ذلك الوقت برجينسكى القوة والمبدأ والذى يقول فيه: إن كارتر أثناء مفاوضات كامب ديفيد قال ل السادات أريد أن أكلمك بصراحة إنك تستطيع أن تنسحب من المؤتمر لكن ذلك سوف يعنى نهاية العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر، وقد وضعت أرصدتى كلها فى هذا الجهد وسوف يعنى فشلنا انتهاء رئاستى لأن مهمتى محكمة سوف تصبح مشينة، وأن ذلك سوف يعنى نهاية شيء أعتز به وهو الصداقة بينى وبينك.
ورغم هذه الصداقة الحميمة بين السادات وكارتر، فقد رفضت الولايات المتحدة منذ بداية عام 1978 وحتى عام 1980 إمداد مصر بالمفاعل النووى والذى سبق وأن وافقت عليه إدارة نيكسون، حيث أصرت إدارة كارتر على توقيع مصر على معاهدة انتشار الأسلحة النووية مع خضوع كل أنشطتها النووية للتفتيش كشرط للتعاون النووى بين مصر والولايات المتحدة.
ولم يكتف السادات بذلك بل كان أشد كرما من كارتر، حيث رفض إثارة موضوع البرنامج النووى الإسرائيلى وفوض كارتر فى اتخاذ جميع الإجراءات والشروط لتوقيع اتفاقية السلام.
وفى 26 فبراير 1981 صدقت مصر على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وأصدرت وزارة الخارجية كتابها الأبيض وجاء فيه أن مصر تود أن تشير إلى أنها صدقت على المعاهدة نتيجة لاعتقادها الراسخ بأن هذه الخطوة تتفق مع مصالحها الوطنية العليا بافتراض أنها ستنجح فى الحد من انتشار الأسلحة النووية فى العالم، بخاصة منطقة الشرق الأوسط..
كلام من الداخل
ومنذ توقيع مصر على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية وحتى الآن أصبحت إسرائيل تملك أربعة مفاعلات نووية هى: مفاعل ريشون ليزبون، ناحال سوريك، مفاعل ديمونة، النبى روبين، وأصبح السلاح النووى الإسرائيلى وقدرته التدميرية يمثل تهديدا حقيقيا ليس ل مصر فحسب، بل لكل الأمة العربية، حيث تتجمع الأهداف الحيوية العربية فى عدد قليل من الأماكن يسهل الاقتراب والوصول إليها، وهى الأهداف التى حددها الموساد الإسرائيلى فى: السد العالى فى مصر، الفرات ب العراق وسوريا، حقول النفط فى السعودية والكويت وليبيا.