د. نضال الحيح
14 – فبراير – 2006 م
بدأت رحلتي الى روسيا في خريف عام 1993 م و حطت الطائرة أحمالها في مطار موسكو الدولي و من ثم حملنا القطار الى مدينة تبعد ما يقارب 750 كم الى الجنوب الشرقي من العاصمة . لن اتحدث عن أعباء السفر و ما صادفنا من مشاكل و لكن حديثي للتأمل و دعوة للتفكر .
فصل الخريف تساقط للاوراق بعد اصفرارها و يسمى بالفصل الذهبي و ترى الاشجار المتراصة قد تجردت من لباسها و بانت أغضانها و روسيا مليئة بالاشجار و الغابات الكثيفة و التي لم يسبق لي رؤيتها من قبل . أشجار جرداء و أوراق متساقطة و تواجد كثيف للغربان في كل الانحاء كل هذا ترك في نفسي شعور بالوحشة و الغربة . و بعد الاستقرار في السكن الجامعي حاولت التأقلم مع الحياة الجديدة و التعرف على مناحي المجتمع الشاحب في فترة ما بعد الحكم الشيوعي . و يوما بعد يوم كان الشتاء القارص يزحف نحونا بسرعة ، و استيقظت صباح يوم الحادي عشر من نوفمبر و اذا الارض اكتست حلة جديدة و تزينت بلباس ابيض ناصع . منظر شدني و وقفت برهة من الزمن أتأمل هذا المنظر أشجار بيضاء ناصعةو ارض تعكس أشعة الشمس الساطعة و كأنها انعكاسات كرستال خالص و هو يداعب وريقات الثلج المتساقط. خرجت الى الشارع اتلقط ورقات الثلج الجميلة و تأملت هذا الشكل الدقيق و قلت بملئ القلب سبحان الله ما اعظم هذا الصنع و ما ابدعه و شعرت بأن هذه الكلمة تنبع من كل خلية من خلايا جسدي و لم تكن كلمة اعتدت على ترديدها و انما حملت معنى عميق استشعرت من خلالها عظمة الخالق . و كنت اسمع دوما عن حرارة الايمان و ما احسست بها الا في هذه اللحظة برغم البرد القارص . و مرت أيام الشتاء الطويلة قارصة البرد بكل ما فيها من جمال الثلج و بياضه الناصع و الشعور بالبرد و زمهريره . و لهج قلبي بالدعاء اللهم اني اعوذ بك من جهنم و زمهريرها . برد ينخر العظم و يجمد أطراف الاصابع و يوقف الدم في العروق . و في نفس الوقت تجد الروس يمارسون حياته الطبيعية و الاغرب من ذلك يتناولون الايس كريم "مثلجات" و درجة الحرارة تنخفض الى ما تحت 30 درجة تحت الصفر . تنظر الى هذا المنظر فيقف شعر جسمك من قشعريرة البرد . و لكن رحمة الله سبقت غضبه . شتاء نهاره جميل ناصع و ليله كالح مظلم . هذه الاشجار الجميلة المتزينة بقصبات الجليد تداعب أشعة الشمس و تتلألأ و كأنها قطعة مجوهرات ثمينة وضعت للعرض. و في الليل تتحول هذه الاشجار الى أشباح يحركها الهواء ، أشباح تلبس البياض شاهقة في السماء تتمايل يمنة و يسرة و شوراع مظلمة تسير فيها و خيالك يوحي لك أن هناك من يطاردك و يتتبع خطواتك ، خاصة هذه الاصوات المتنوعة الصادرة عن طرطقة أغصان الاشجار المتلبسة بالجليد بعضا ببعض يحركها الهواء كمعزوفة موسيقية تثير الرعب و تبعث بالخوف .
تنظر الى اشجار ميتة لا حياة فيها و أغصان متجمدة لا نبض لها . و مع بداية فصل الربيع تعود الحياة لتدب في هذه الاشجار من جديد و بسرعة مذهلة لا تمنحك لحظة للتفكير و التامل و كأنها على موعد مع حفل او مهرجان . تكتسي الارض بالخضرة و تلبس الاشجار ثوب ممشق بالازهار و تملأ المنطقة زقزقة العصافير و خرير المياه الجارية من ذوبان الثلوج . وقفت في ذهلة من هذا التحول السريه و كانه ثوب يلبس و يخلع و قلت سبحان الله الذي أحيا الارض بعد موتها و كان هذا نفس الشعور السابق . فهذا دليل على البعث و النشور . فتأمل أخي الكريم شجرة متجمدة ميتة و لمدة طويلة تصل لعدة أشهر يعقبها حياة نضرة و كسوة خضرة و أزهار و ثمار . أليس الذي منح الحياة لهذه الشجرة قادر على جمع هذه العظام النخرة و يبث الحياة فيها ؟؟؟!!! نعم و الله .
أنه موقف يحتاج للتفكير و التأمل و هذه الصورة تتكرر كل فصل و نراها و نتلمس ملامحها و لكن قلما نفكر فيها و كل ما يشغلنا كيف نقي انفسنا برد الشتاء القارص و كيف نلطف حر الصيف المحرق . و لكن من يقينا زمهرير جهنم و حميمها و ماذا أعددنا لهذا الموقف ؟؟؟؟؟
و لعل الكثير من الاحباب عايش مثل هذا الموقف و شاهد هذه الصورة ، فهل نطقت أخي بكلمة سبحان الله الخالق ملئ القلب و الفم ؟؟؟
أسأل الله لي و لكم التوفيق و شرح الصدر و حسن التأمل .