الحلقة الاخيرة
أبي المسكين
أبي .. و أقولها آسفة .. أقولها فقط لأني أحمل أسمك بعد اسمي .. و هذا رغماً عني و لو استطعت أن أنتزعه و ألقيه خارج حدود حياتي لفعلت .. أبي المسكين .. لا أدري كيف سولت لك نفسك إلحاق كل هذا الأذى بصغيرتك .. لا أدري كيف نضح قلبك بكل هذه الشرور .. شرور لم تجد لها ملجأ ولا مثوى سوى قلب طفلتك التي نسيت أنها منك و لك .. أي أب أنت .. أكل الآباء مثلك؟ .. فسحقاً لكم أجمعين .. ليحاسبنكم الله و ليعذبنكم أشد العذاب على ما فعلتموه بفلذات أكبادكم .. فضلاً أيها الرجل المسكين أخبرني ما الذي تحيكه لي بعقلك المدمر و قلبك القاسي .. فضلاً أعلمني بقذيفتك القادمة التي ستوجهها إلى جسدي الناحل بفعل آذاك و شرورك .. أعلمني بموعدها و قوتها لأستعد لها إما بكفني و إما بحزني و إما بدموعي !
لا أدري أأدعو لك أم عليك .. أدافع لساني مدافعة شديدة حتى لا يشكوك إلى الله .. فلقد ظلمتني و سيستجيب الله لي فهذا وعده .. و كلما أمرني البِر بأن أدعو لك .. لا أجد القوة لفعل ذلك .. فقد حطمت كل جميل كان بيننا مع قلته الشديدة .. لا أقوَ على الدعاء لك بالهداية فأنا لا أريدك في حياتي .. إن اهتديت فلنفسك و إن ضللت فعليها و لكن كُف عن إلحاق الأذى بي .. بالتأكيد سأنتقم منك أمام ربي .. فهو العدل .. يشهد ربي أنني ما عققتك يوماً .. و ما آذيتك يوماًً .. كما يشهد و كفى به شهيداً أنك قد عققتني كثيراً لو أنك تعي ذلك .. يشهد ربي أنك آذيتني كثيراً .. أريد أن أقول لك "سامحك الله" و لكنني لا أستطيعها .. فأنا لا أريده أن يسامحك .. إنما أريدك أن تذوق و تحصد ذرعك الذي ذرعت .. أريدك أن تشرب مرارة الحرمان .. أرأيت ما آلت إليه صغيرتك ذات القلب الرقيق .. ملئتها بالانتقام و عبئتها بالكراهية .. لا ترى سوى ظلاماً .. لا تحس سوى آلاماً .. لم تعد كما كانت .. كلماتها تختنق على شفتيها .. قصيرة مقتضبة .. تعابير متقطعة لا تفهمها ولا تعي منها سوى شعورها بالألم المتواصل بلا انقطاع .. أتحس بتلك الآلام التي تحاصرها .. أم أنك تفكر كيف تكيل لها الضربات و كيف تستخرج من عينيها العبرات .. كانت سابقاً تدعو لك بالهداية .. أما الآن و في فصلها الأخير معك .. فلا تريد منك سوى الابتعاد عنها .. لا تريد سوى أن تسلم من شرورك .. لا تريد سوى أن تعيش في سلام تلملم ما تبقى منها .. تلملم أحلاماً دمرتها بأفعالك التي لا تصدق .. تلملم أحزاناً و تبني حطاماً .. تلملم بقايا إنسانة كانت .. تبحث عمن يمسح دموعها بعد أن قتلت بيديك من كان يفعل .. قتلت و هدمت حياة بَنَتها طفلتك مع من كان يفعل .. و منعته من أن يفعل .. كانت هي اليد الحانية وسط أشواك قلبك الغليظة .. و لكنك بقسوة قطعت هذه اليد و خنقت صاحبها بدموعه و أدميت قلبه بأحزانه .. ألا سامحك الله عنه.. قد كان يحبك و يدعو لك .. و لكنك كرهته و كرهت حبه لك .. ألا سامحك الله عنه .. آذيته و رفضت أن يكون لك ابناً لم تنجبه .. عقلي تاه في ظلمات ظلمك له .. تبات عيناي متورمتان بكاء على أب .. أب باع ابنته التي أحبته يوماً ما .. حقاً لا أستطيع أن أحبك الآن كما كنت سابقاً .. و كما قلت لا يربطني بك سوى حروف تلي اسمي .. أما رابطة العاطفة فلقد احترقت بنيران قسوتك .. تضاربت أفكاري و أنا أكتب نعي قلبينا .. تاهت كلماتي و أنا أبكي قلوباً قد اهتزت يوماً بحبك .. ألا سامحك الله .. ألا سامحك الله .. أقولها .. ليس رغبة فيها .. و إنما لأن الله حرم لعنتي لك!
ابنة كانت مُحبة
أبو يوسف