ما إن يقبل شهر رمضان، حتى نجد التسابق إلى المحلات التجارية...،
كل أب ورب أسرة يحمل قائمة إمتلئت بالطلبات من قبل الزوجة
العزيزة...
وتقوم الزوجة بدورها في ممارسة وظيفة "الطباخة الماهرة" أو "سيدة
المطبخ الأولى"، فكثيرة هي الأطباق الرمضانية التي تسعى الزوجة
لإعدادها محاولةً بذلك أن تحظى برضا العائلة الكريمة...
وهكذا يتخذ طابع "شهر الغذاء" عند مجموعة من الناس.
نقول أن الغذاء هو شيء لابد منه، والإعداد بطريقة مشهية، والذوق
الرفيع أمرٌ مطلوب، بل نحن ندعو إليه.غير أن هناك بعض الملاحظات
ينبغي أخذها بعين الإعتبار في شهر رمضان، لتكون تغذيتنا على
أصولها، وهذه الأوراق ما هي إلا محاولة بسيطة تسلط الضوء على بعض
العادات الغذائية مستدلةً عليها ببعض الأحاديث النبوية.
آمل أن أوفق لكتابة دراسة مفصلة عن هذا الجانب في المستقبل، وآمل
أن تحوز هذه الملاحظات على رضاكم.
شهر رمضان... الفائدة الصحية:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "صوموا تصحوا".
وبهذا يضع الرسول الأكرم ملاحظته الأولى، ففي الصيام الكثير من
الفوائد الصحية، والتي لو فصلنا الحديث عنها لاستغرق منا العديد
من الصفحات و الوقت، غير أننا نوجزها بما يلي:
1- الصيام يخلص الجسم من الشحوم الزائدة والناتجة عن السمنة.
2- الصيام يخلص الجسم من الفضلات، وقد ثبت أن الجسم يصاب ببعض
البؤر الصديدية التي تتكون بداخله وتصب إفرازاتها في الدم غير أن
الإنسان لا يشعر بها إلا إذا تضاعفت.
3- الصيام يتيح الفرصة لخلايا الجسم و غدده وأجهزته وأعضائه
للقيام بواجبها على أكمل وجه.
4- الصيام يخلص الجسم من الدهون الموجودة في الدم، و التي تترسب
على الجدران الداخلية للشرايين، بذلك يكون الصيام أمان ووقاية من
تصلب الشرايين.
أهمية الجهاز الهضمي:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "المعدة بيت الداء ،
والحمية رأس كل دواء، فأعط نفسك ما عودتها".
والملاحظة الثانية التي يمكن أن ثؤثر على صحة الإنسان، هي مدى
اهتمامه بجهازه الهضمي، ذلك لأن الجهاز الهضمي هو من أكثر
الأجهزة حيوية وحساسية، ويتأثر من أقل الأشياء.
لذلك ينبغي البحث، والتدقيق فيما نأكله (ولا يعني ذلك الهوس)
وإنما للاستفادة مما نأكل وحتى لا نصاب بأمراض نحن في غنى عنها.
وفي شهر رمضان تبلغ الأهمية ذروتها حيث تتعدد الأطعمة، ويقبل
البعض عليها دون تفكير في محتواها ومدى الاستفادة منها.
لا إسراف في الأكل:
القاعدة الإسلامية في الحياة هي الاعتدال، فلا "إسراف" و لا
"تبذير" ولا "إفراط و لا تفريط" و إنما "خير الأمور أوسطها".
غير أن هذه القاعدة تكون غائبة عن أذهان البعض، وخصوصاً عند رؤية
أصناف الطعام على مائدة الإفطار، و البعض يتخذ من الإفطار وسيلة
"للانتقام من الجوع" فقد حرم نفسه عن الأكل طوال اليوم وها هي
الفرصة أمامه!! لذلك نجده يأكل ولا يفكر في خلفيات ما يأكله.
أما الإسلام فهو ينظر للمسألة من زاوية أخرى فهو يدعو للأكل و
الشرب {وكلوا واشربوا} ولكن {ولا تسرفوا} لماذا؟ {إنه لا يحب
المسرفين}.
وذلك لما للإسراف في الأكل من نتائج وخيمة على الصحة من أبرزها
الإصابة بالسمنة، و التي ينتج عنها مجموعة من الأمراض منها:
* تصلب الشرايين والتي بدورها تؤدي إلى الإصابة بالجلطة القلبية
وتكون حياة الإنسان مهددة بالخطر. أضف لهذا أن القلب يقوم
بوظائفه على أكمل وجه عندما يكون الجسم قريباً من الوزن الطبيعي،
و عكسه صحيح.
* آلام المفاصل الناتجة عن الزيادة في الوزن.
* بالإضافة إلى أمراض أخرى كالسكري، والضغط.
كما أن الإسراف قد يتخذ طابع آخر هو السرعة في الأكل، وعدم
المضغ، "وكأن الطعام سينتهي!"، وهذا يسبب سوء الهضم. والاضطرابات
الهضمية.
الطريقة المثلى في الأكل:
قال رسول الله ( ص ): "كل وأنت تشتهي ، وأمسك وأنت تشتهي.
و هذه هي الطريقة المثلى في الأكل، فلا تأكل إلا و أنت تشتهي
الأكل، إما أن يجذبك المنظر والرائحة فإنك تتسبب في مرض نفسك،
وبهذه الكلمة يمكن أن نضع علامة X على مغادرة المائدة بمعدة
ممتلئة.
في الرسالة الذهبية للإمام الرضا u "وارفع يدك من الطعام وأنت
تشتهيه..."، ولو طبقنا كلمة الرسول الأكرم (ص) الرائعة القائلة:
"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع "لأمكننا تفادي
الكثير من الأمراض والمشاكل الغذائية.
العادات الغذائية:
قال رسول الله (ص): "المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء،
فأعط نفسك ما عودتها".
وللعادة دورها، فقد يتعود الإنسان عادة غذائية صحيحة كالقيام من
المائدة وهو يشتهي الأكل، وتكون هذه العادة خطوة أولى لممارسة
التغذية الجيدة.
والإنسان على ما اعتاد عليه، فلتكن لك عاداتك الصحيحة. لتتمكن من
العيش طويلاً. فكلما اعتاد الإنسان وهو في مقتبل عمره على
العادات الغذائية الصحيحة فإنه يتمكن من العيش بعيداً عن المشاكل
الغذائية.
الفطور... البداية:
يبدأ البرنامج الغذائي بوجبة الإفطار بعد راحة للجهاز الهضمي
لمدة تزيد عن 12 ساعة، فبماذا نبدأ الأكل؟
يفضل الإفطار بأي شيء خفيف و بكمية قليلة، مثل عدد من حبات
التمر، أو حساء دافئ، أو عصير غير مثلج، أو ماء فاتر، وإليك بعض
الملاحظات:
1- الإفطار بالتمر:
قال رسول الله (ص ): "بيت لا تمر فيه كأن ليس فيه".
"كُل التمر على الريق فإنه يقتل الدود".
"من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد فليفطر على الماء فإنه
طهور".
وعن الحسين عن أبيه علي عليهما السلام أنه قال:" أن رسول الله
(ص) كان يبدأ طعامه إذا كان صائماً بالتمر".
في التمر مواد غذائية متعددة، وخاصة مادة السكريات التي هي سريعة
الامتصاص، وسهلة التحليل في الجسم، والتمر يمد الجسم بالطاقة إثر
تناوله بوقت قصير جداً، وبما أن الصائم يفقد كمية كبيرة من
الطاقة في أثناء النهار، فحكمة أكل التمر هي إعطاء الطاقة
المباشرة للجسم، وذلك لأن الجسم بعد تناول الطعام يبدأ بالنحول
والخمول لأن الجهاز الهضمي في هذه الحالة -حالة هضم الطعام
وامتصاصه ومن ثم نقله- يحتاج إلى دم كثير، فتتركز بذلك الدورة
الدموية في هذا الجهاز.
2- الإفطار بالحلوى:
وقد وردت نصوص أخرى تحث على الإفطار بشيء من الحلوى، ما لم يتوفر
التمر.
روى السكوني، عن الإمام الصادق u أنه قال: "إن الرجل إذا صام،
زالت عيناه من مكانهما، فإذا أفطر على الحلو، عادتا إلى
مكانهما"، و عن الإمام الباقر u أنه قال: "أفطر على الحلوى، فإن
لم تجده فافطر على الماء، فإن الماء طهور".
3- الإفطار بالماء الفاتر:
روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله u أنه قال: "كان رسول الله
(ص) إذا فطر، بدأ بحلو يفطر عليه، فإن لم يجد فسكرات، أو تمرات،
فإن هو أعوز ذلك كله، فماء فاتر، وكان يقول: ينقي المعدة والقلب،
ويطيب النكهة والفم، ويقوي الحدق، ويحدّ النظر، ويغسل الذنوب
غسلاً، ويسكن العروق الهائجة، والمرة الغالبة، ويقطع البلغم،
ويطفئ الحرارة عن المعدة، ويذهب بالصداع".
ويؤكد الحديث على الماء الفاتر، ذلك لأن الماء والسوائل الباردة
عموماً تسبب إنقباض الجهاز الهضمي، ويتم التخلص منها بسرعة وتسبب
مشاكل هضمية.
وفي رسالة الإمام الرضا الذهبية، يقول الإمام الرضا u: "وليكن
شرابك على إثر طعامك". أي يفضل عدم شرب الماء على الطعام، ومن
الأفضل تناول السوائل وخاصة الماء بكميات قليلة وعلى فترات بين
الإفطار والسحور لإمداد الجسم بالسوائل الضرورية.
لمحبي الهريس:
قال رسول الله (ص): "عليكم بالهريسة فإنها تنشط للعبادة أربعين
يوماً، وهي التي أُنزلت علينا بدل مائدة عيسى (ع)".
كل 100 جرام من الهريس تحتوي على: 1.8جرام دهون، 70.2 جرام
كربوهيدرات (نشويات)، 11.7 جرام بروتين، كما تحتوي على 343 سعر
حراري (الطاقة).
الكمية والنوعية:
ما هي الكمية، وما هي النوعية الجيدة في وجبة الإفطار؟
* يفضل أن تكون وجبة الإفطار خفيفة غير كبيرة لأن الوجبة الكبيرة
تستغرق وقتاً طويلاً في هضمها، مما يجعل كمية الدم تتجمع في
الجهاز الهضمي، ويسبب ذلك الخمول والكسل والنعاس.
* ينبغي أن يراعى التنوع في الوجبة بحيث تشتمل على المجموعات
الغذائية الأربع وهي: مجموعة النشويات، مجموعة الحليب، مجموعة
الفواكه والخضار، ومجموعة اللحوم. وعدم الاقتصار على صنف واحد،
كـ"الهريس"مثلاً مع أنه يحتوي على مجموعة عناصر غذائية جيدة، إلا
أنه ينبغي عدم إهمال الفواكه.
* يفضل عدم تناول الدهنيات والحلويات المركزة بكثرة، ويفضل تناول
الحلويات البسيطة كالمهلبية والفواكه الطازجة لأنها سهلة الهضم
والامتصاص.: