للحب علامات يقفوها الفطن ويهتدي اليها الذكي
فاولها ادمان النظر ، والعين باب النفس الشارع ، وهي المنقبة عن سرائرها ، و المعبرة لضمائرها والمعربة عن بواطنها فترى الناظر لا يطرف (( لايطبق الجفن على الأخر)) يتنقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ، ويميل حيث مال كالحرباءة مع الشمس وفي ذلك :
فليس لغيني عند غيرك موقف ....كأنك ما يحكون من حجر البَهتِ
أصرفها حيث انصرفت وكيفما ....تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت
ومنها الاقبال في الحديث ، والانصات لحديثه إذا حدث ، واستغراب كل ما يأتي به وكأنه عين المحال وخرق العادات ، وتصديقه وان كذب وموافقته وإن ظلم ، و الشهادة له وان جار ، واتباعه كيف سلك ، وأي وجه من وجوه القول تناول.
ومنها الاسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه ، و التعمد للقعود بقربن والدنو منه و اطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه ، و الزهد فيها و الرغبة عنها ، و الاستهانة بكل خطب جليل داع الى مفارقته ، و التباطؤ في المشي عند القيام عنه ، وفي ذلك :
إذا قمت عنك لم أمشي إلا ... مشي عان يقاد نحو الفناء
في مجيئي إليك أحتث كالبدر ... إذا كان قاطعا للسماء
وقيامي إن قمت كالأنجم العالية ... الثابتات في الأبطاء
ومنها بهت يقع ، وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة ، وطلوعه بغتة .
ومنها اظطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه نحبوبه ، أو عند سماع اسمه فجأة ، وفي ذلك :
إذا م رأت عيناي لابس حمرة ... تقطع قلبي حسرة وتفطرا
غدا لدماء الناس باللحظ سافكا ... وضرج منها ثوبه فتعصفرا
ومنها ما يجود المرء ببذل كل ما كان يقدر عليه ، مما كان ممتنعا به قبل ذلك ، كأنه هو الموهوب له و المسعي في خظه ، كل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في فسه ، فكم بخيل جاد ، وقطوب تطلق ، وجبان تشجع ، وغليظ الطبع تطرّب ،وجاهل تأدب ، وتَفرِ تزيّن ، وفقير تجمل ، وذي سنّ تفتّى ومصون تبذل .
وهذه العلامات قبل استعار نار الحب ، وتأجج حريقه وتوقد شعله ، واستطارة لهبه ، فأما اذا تمكن وأخذ مأخذه فحينئذ ترى الحديث سرارا ، والعراض عن كل من حضر إلا عن المحبوب جهارا وفيها :
أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي ... فيه ويعبق لي عن عنبر أرج
إن قال لم أستمع ممن يجالسني إلى ... سوى لفظة المستطرف الغنج
ولو يكون أمير المؤمنين معي ... ما كنت من أجله عنه بمنعرج
فإن أقم عنه مضطرا فإني لا ... أزال ملتفتا و المشي مشي وَجي
عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل ... مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج
أغص بالماء إن أذكر تباعده ... كمن تثاءب وسط النقع و الوهج
وإت تقل : ممكن قصد السماء أقل ... نعم وإني لأدري موضع الدّرج