في عام 1888 وقف طفل ذو خمس سنوات في المتحف أمام تماثيل كبار المجرمين في ألمانيا يستعرضهم لمدة طويلة قبل أن يقول بهدوء "في يوم من الأيام سيوضع تمثالي بجانبكم، وسأكون مشهورا!!!..." * * *
قد لا يقتنع الكثيرون بأن البدايات تدل -إلى حد كبير- على النهايات، لكن هذه القصة الغريبة التي قد لا يصدقها الكثيرون منكم تؤكد هذا.. أن الأحداث التي وقعت في بدايات حياة "بيتر" الصغير تكفي كي تصيبنا بالدوار..
ولد "بيتركورتن" عام 1883 في "كولونيا" بـألمانيا لأب مدمن على الكحول، وأسرة مكونة من ثلاثة عشر فردا ينامون جميعا في غرفة واحدة..
حين بدأ "بيتر" الصغير يتعلم المشي، كان يتعلم أيضا تعذيب الحيوانات على يد جار صياد، أما في الوقت الذي كان معظم الأطفال يطالعون قصص "جول فيرن" الخيالية الجميلة، كان "بيتر" قد أتقن إبقاء الحيوانات لأطول فترة ممكنة قبل أن يقتلها بطرق وحشية مبتكرة..
في الخامسة عشرة من عمره بدأ "بيتر" يجوب الشوارع ويسرق الحقائب من السيدات، وأيضا يسرق الأطعمة من واجهات المحلات، والغريب أنه لم يكن يأكلها!!.. بل كان يلقيها بعيدا كأنه فقط أراد أن يشبع لذة السرقة عنده، وحين حاول والده أن يجعله يعمل بأحد المشاغل قام بسرقة المشغل وهرب، لكن الشرطة قبضت عليه ودخل السجن لأول مرة في حياته..
في السجن تعرف على العديد من المجرمين الخطرين، إلا أنه اعترف فيما بعد بأنه لم يكن يحسدهم أو ينبهر بهم، بل كان يعلم أنه في يوم الأيام سيفوقهم جميعا!!..
بعد خروجه من السجن طلبه الجيش، لكنه هرب في أول أيامه.. وقضى ليلته في مخزن للقمح، وفي الصباح قام بإشعال النار في المخزن مستمتعا برؤية صاحبه وهو يحاول عبثا إطفاء النار!!..
هكذا حكم على "بيتر" بالسجن للمرة الثانية لمدة سبع سنوات، وخرج عام 1912 وقد بلغ تسعة وعشرين عاما فقط، إلا أنه بمجرد خروجه استعاد نشاطه وحيويته.. هكذا بدأ مرة ثانية ممارسة هواياته، حيث ذهب مع صديق له لصيد السمك وهناك دفع صديقه إلى الماء ووقف ينظر له وهو يغرق، وبعد ثلاثة أشهر قام باستدراج فتاة إلى إحدى الغابات ثم قام بخنقها، لكنه حين عاد إلى جثتها في اليوم التالي لم يجدها، ويبدو أنها كانت مازالت على قيد الحياة حين تركها.. وبعد أيام أغرم "بيتر" بإحدى الفتيات ولكنها صدته فرماها بمنفضدة سجائر إلا أنها لم تصبها، لذلك فقد عاود الكرة في اليوم التالي مستخدما حجرا كبيرا لكنه أخطأ ثانية، وفي اليوم التالي حضر والد الفتاة لكي يبعد هذا "المجنون" عن ابنته، إلا أن "بيتر" أطلق عليهما الرصاص عدة مرات طاشت كلها، وقد عزى ذلك فيما بعد إلى أنها كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها مسدسا!!..
في عام 1913م، ارتكب "بيتر" أول جرائم القتل في حياته، وهي الجريمة التي أقر بأنها غيرت مجرى حياته فيما بعد، حيث تسلل في ليلة من الليالي إلى أحد الفنادق بقصد السرقة، لكنه لم يجد شيئا في الطابق السفلي، فصعد إلى الطابق العلوي، وفي أول غرفة دخلها وجد طفلة صغيرة نائمة هي "كريستين كلاين" ابنة صاحب الفندق، والتي كانت تبلغ التاسعة من عمرها فقط..
اقترب "بيتر" من السرير ببطء، ثم قام بخنق الفتاة، الا أنه لم يقتلها، بل أفقدها الوعي فحسب، ثم قام بفصل رأس الفتاة عن جسدها بأداة حادة وقطع صدغيها، ثم تركها في سريرها بهدوء، وتوجه إلى قاعة ملحقة بالفندق، واختلط بالزبائن هناك، دون أن تهتز له شعرة، وهو ينتظر لحظة اكتشاف الجريمة بشغف شديد، لكن لذته فاقت تصوره، فبمجرد اكتشاف الجريمة اتهم الأب أخاه "أوتو كلاين" بارتكاب الجريمة، حيث إنهما قد تشاجرا بشدة في تلك الليلة، وهدد "أوتو" أخاه بأنه سينتقم منه بطريقة لن ينساها طوال حياته!! ومن الغريب أن الشرطة اعتبرت وجود منديل في مسرح الجريمة نقش عليه حرفي "ب، ك" دليلا على "أوتو" حيث خمنوا أنه من الممكن أن يكون قد استعاره من أخيه "بيتر كلاين" ثم فقده في مكان الحادث!!..
إن "بيتر كورتن" يشعر الآن بلذة ما بعدها لذة، وقد اعترف فيما بعد بأنه ظل يلاحق أخبار القضية، وأنه بالرغم من تبرئة المحكمة للعم المظلوم، إلا أنه استمتع برؤيته وحيدا منبوذا من الجميع حتى وفاته بعد عامين!!
ودون أن يتوقف أمام جريمته الشنعاء عاود "بيتر" ممارساته، فقام بالهجوم على ثلاث سيدات وهن نائمات في أحد الفنادق محاولا خنقهن، لكنهن لم يمتن، ثم قام بالتجول في الشوارع ممسكا بمطرقة يهاجم بها الناس، وكانت رؤية الدماء تشعره بغبطة كبيرة!!..
وألقي القبض على "بيتر" وأودع السجن مرة أخرى بتهمة السرقة، لكنه في هذه المرة لم يفعل شيئا بخلاف بتر أذني زميله في الزنزانة، حيث وجد أن أكثر الأعمال التي ارتكبها إثارة هي قتل الفتاة الصغيرة، وهكذا تحولت حياة "بيتر" إلى اتجاه أكثر مأساوية..
وبعد خروجه من السجن غير "بيتر" نهجه، فقد التحق بأحد الأعمال الصغيرة، وتقدم إلى إحدى الفتيات للزواج، وحين رفضت طلبه هددها بالقتل فوافقت على الفور، وكانت هذه الفتاة مرتبطة فيما مضى برجل سيئ الخلق رفض أن يلبسها خاتم الخطبة فأطلقت عليه الرصاص، وكانت هذه الحادثة من وجهة نظر "بيتر" أكثر من رائعة لتزكية الفتاة، لتكون شريكة حياته في أيامه القادمة..
ومع بداية شهر فبراير من عام 1929 بدأت سلسلة من الجرائم الشنيعة التي هزت ألمانيا كلها، في البداية أحست فتاة بأن أحدا ما يتبعها في الطريق، وقبل أن تلتفت أمسك بذراعها، ثم قام بطعنها من الخلف مصيبا رأسها بشكل خاص، إلا أنها قامت مترنحة إلى أقرب مستشفى، والغريب أنها لم تمت لكنها لم تستطع وصف المعتدي الغامض..
وبعد عدة أيام وجد الناس جثة عامل في الخمسين من عمره ملقاة في الطريق، وقد طعنت بمقص، وتم تمزيق الصدغين (وهي العلامة المميزة لـ"بيتر")، كما وجدوا أن القاتل تقيأ دما بجانب الجثة، مما ينبئ بأنه حاول شرب دمائها إلا أن معدته كانت حساسة ولم تحتمل!!..
وفي اليوم التالي مباشرة وجد العمال جثة طفلة صغيرة مشوهة، وقد تم قطع الأذنين والأنف والصدغين كما تم إخراج الأحشاء ووضعها بين قدمي الجثة (وهي الطريقة التي كان "جاك" السفاح يقتل بها ضحاياه)، كما وجدوا أن قدمي الطفلة متفحمتان، فيما بدا كمحاولة فاشلة لحرق الجثة..
وكانت هذه الجرائم الثلاث هي البداية لمصاص دماء "دوسلدورف"؛ حيث إنه قضى فترة نشاط غير طبيعي دون أي تدخل من رجال الشرطة التي لم تستطع فعل شيء، لذلك ففي الأشهر التالية تعددت حوادث الاختطاف والاغتصاب والقتل بصورة مبالغ فيها، حيث كان اليوم لا يكاد يمر دون الإبلاغ عن حالة أو حالتين على الأقل، وبطريق الصدفة استطاع طفل صغير أن يجد فتاة غارقة في دمائها وسط إحدى الغابات، وحين جاءت الشرطة كانت الفتاة لا تزال على قيد الحياة، فتم إسعافها على الفور، وفيما بعد اعترفت بأنها قد قبلت دعوة رجل أنيق وسيم في حوالي الأربعين من عمره، اقترب منها، وقال لها بصوت جذاب: "إنك متهورة يا آنستي.. لا شك أنك لا تعرفين هذا الحي جيدا، اسمحي لي بمرافقتك حتى البيت"، ولكن لم يمض خمس دقائق حتى كان يسير بمفرده بعد أن طعنها في رأسها وصدرها أكثر من ثلاث عشرة طعنة!!
وفي إحدى المرات اقترب رجل من رجال الشرطة وهم ملتفون حول جثة جديدة، وحين سألهم عما حدث، حكى له أحدهم عن حيرته، وعدم توصله إلى "وحش جهنم" كما كانوا يسمونه، فأخبرهم بأنه قد شاهد الرجل الذي كان يسير برفقة الفتاة الليلة الماضية، وأعطاهم أوصافه كاملة، وفيما بعد تبين أن "بيتر" كان هو نفس الرجل، بل إن المواصفات التي أعطاهم إياها تنطبق عليه تماما!!..
وفي ليلة فوجئ الجالسون في ملهى ليلي بظهور بعض رجال متشحين بالسواد، ويحملون تابوتا بداخله جثة فتاة شديدة الشحوب، وهلل الجميع ظنا منهم أنها رقصة جديدة يقدمها الملهى، إلى أن تعرف أحدهم على الجثة، واكتشف أنها إحدى ضحايا القاتل المجهول وقد مص دمها كله هذه المرة.. وساد وجوم وصمت شديدان، وأنظار الجميع معلقة بالتابوت والجثة بداخله، وبعد خروج التابوت قام أكثرهم بالخروج والمشي وراءه، وازداد عدد المسيرة شيئا فشيئا، ومن بعيد وقف رئيس شرطة المدينة ينظر إلى السائرين كلهم لعل مسرحيته الصغيرة تنجح في فضح القاتل السفاح..
ولكنه للأسف مني بخيبة أمل شديدة لأن شيئا غير طبيعي لم يحدث، فإما أن السفاح كان يمتلك أعصابا من فولاذ، وإما أنه مازال في تابوته غارقا في سبات عميق كأي مصاص دماء أسطوري..
وبعد أشهر عديدة، وبالتحديد في يوليو 1929م، قبضت الشرطة على "يوهان ستروسبرج" -وهو متخلف عقليا ومصاب بالصرع- بعد أن ضايق فتاتين في الشارع، وتم اتهامه بجرائم القتل المختلفة بناء على ذلك فقط، لكن المدهش أنه اعترف بكل الجرائم التي واجهوه بها، وعزى رجال الشرطة بعض التخبط في أقواله إلى اضطرابه العقلي، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة فيما بدا أنه نهاية لرعب شنيع ساد ألمانيا كلها في ذلك الوقت..
ولكن في أوائل أغسطس من نفس العام تم استئناف عمليات القتل الوحشية، وبدا أن السفاح قد اعتاد شرب دماء ضحاياه، حتى إنه في مرة من المرات التي كان ينتظر فيها ظهور ضحيته الجديدة وراء أكمة من الأشجار، انقض على أوزة وقام بقطع رقبتها بيديه العاريتين ثم شرب دمها كله!!.. وفي الوقت نفسه أصبحت الشرطة مادة للسخرية بعد اكتشاف الجميع خطأها الفادح باتهام "يوهان"، بل والأدهى أن خمسة عشر متطوعا قد تقدموا للاعتراف على أنفسهم بأنهم هم القتلة!!.. لكن هذا ليس كل شيء بل إن القادم أشد هولاً..
لكننا سنتركه للحلقة القادمة...
التعديل الأخير تم بواسطة : 3AmMoR بتاريخ 09-12-2006 الساعة 02:47 PM.