لم أكن قد تجاوزت الثلاثين *ين أنجبت زوجتي أوّل أبنائي، ما زلت أذكر تلك الليلة، كنت سهراناً مع الشّلة في إ*دى الشاليهات، كانت سهرة *مراء بمعنى الكلمة، أذكر ليلتها أنّي أض*كتهم كثيراً.. كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد، بإمكاني تغيير نبرة صوتي *تى تصب* قريبة من الشخص الذي أسخر منه، أجل كنت أسخر من هذا وذاك، لم يسلم أ*د منّي أ*د *تى شلّتي .. صار بعض الرّجال يتجنّبني كي يسلم من لساني وتعليقاتي اللاذعة.. تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسوّل في السّوق، والأدهى أنّي وضعت قدمي أمامه ليتعثّر. تعثّر وانطلقت ض*كتي التي دوت في السّوق .. عدت إلى بيتي متأخراً ، وجدت زوجتي في انتظاري .. كانت في *الة يرثى لها !! - أين كنتَ يا راشد؟! - في المريخ (أجبتها ساخراً) عند أص*ابي بالطبع .. كانت في *الة يرثى لها، قالت والعبرة تخنقها: - راشد… أنا تعبة جداً… الظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكاً… سقطت دمعة صامته على جبينها ، أ*سست أنّي أهملت زوجتي ، كان المفروض أن أهتم بها وأقلّل من سهراتي خاصة أنّها في شهرها التاسع… قاست زوجتي الآلام يوم وليلة في المستشفى، *تى رأى طفلي النور… لم أكن في المستشفى ساعتها، تركت رقم هاتف المنزل وخرجت، اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم .. *ين وصلت المستشفى طُلب منّي أن أراجع الطبيبة… أي طبيبة؟! المهم الآن أن أرى ابني سالم… لابد من مراجعة الطبيبة… أجابتني موظّفة الاستقبال ب*زم !! صُدمت *ين عرفت أن ابني ( به تشوه شديد في عينيه ومعاق في بصره )!!!! تذكّرت المتسوّل… سب*ان الله كما تدين تدان!!! لم ت*زن زوجتي .. كانت مؤمنة بقضاء الله راضية .. طالما نص*تني… طالما طلبت منّي أن أكف عن تقليد الآخرين… كلاّ هي لا تسميه تقليداً بل غيبة… ومعها كل ال*ق!! لم أكن أهتم بسالم كثيراً، اعتبرته غير موجود في المنزل، *ين يشتد بكاءه أهرب إلى الصالة لأنام فيها .. كانت زوجتي تهتم به كثيراً ، وت*بّه .. ل*ظة لا تظنوا أنّي أكرهه،أنا لا أكرهه لكن لم أستطع أن أ*بّه!. أقامت زوجتي ا*تفالاً *ين خطا خطواته الأولى، و*ين أكمل الثّانية اكتشفنا أنّه أعرج!!!!!!!!. كلّما زدت ابتعاداً عنه ازدادت زوجتي *باً واهتماماً بسالم *تى بعد أن أنجبت عمر وخالد..مرّت السنوات كنت لاهٍ وغافل، غرّتني الدنيا وما فيها، كنت كاللعبة في يد رفقة سوء مع أنّي كنت أظن أنّي من يلعب عليهم.. لم تيأس زوجتي من إصلا*ي، كانت تدعو لي دائماً بالهداية، لم تغضب من تصرّفاتي الطائشة ، أو إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته .. كبر سالم، ولم أمانع *ين طلبت زوجتي تسجيله في أ*د المدارس الخاصة بالمعاقين .. لم أكن أ*س بمرور السنوات .. أيّامي سواء .. عمل ونوم وطعام وسهر!!! *تّى ذلك اليوم .. كان يوم الجمعة، استيقظت الساعة ال*ادية عشر ظهراً، ما يزال الوقت باكراً لكن لا يهم، أخذت دشّاً سريعاً، لبست وتعطّرت وهممت بالخروج .. استوقفني منظره، كان يبكي ب*رقة! إنّها المرّة الأولى التي أرى فيها سالم يبكي مذ كان طفلاً .. أأخرج…؟ لا .. كيف أتركه وهو في هذه ال*الة؟! أهو الفضول أم الشفقة؟! لا يهم…سألته… سالم لماذا تبكي؟!. *ين سمع صوتي توقّف ، بدأ يت*سّس ما *وله… ما بِه يا ترى؟! واكتشفت أن ابني يهرب منّي!!!… الآن أ*سست به… أين كنت منذ عشر سنوات؟! تبعته… كان قد دخل غرفته… رفض أن يخبرني في البداية سبب بكائه، وت*ت إصراري عرفت السبب … تأخّر عليه شقيقه عمر الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد، اليوم الجمعة خاف ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل، نادى والدته لكن لا مجيب، *ينها…*ينها وضعت يدي على فمه كأنّي أطلب منه أن يكف عن *ديثه، وأكملت : *ينها بكيت يا سالم… لا أعلم ما الذي دفعني لأقول له: سالم لا ت*زن… هل تعلم من سيرافقك اليوم إلى المسجد؟! أجاب: أكيد عمر… ليتني أعلم إلى أين ذهب؟! قلت له: لا يا سالم أنا من سيرافقك! استغرب سالم، لم يصدّق، ظنّ أنّي أسخر منه، عاد إلى بكائه، مس*ت دموعه بيدي، وأمسكت بيده. أردت أن أوصله بالسيّارة رفض قائلاً: أبي المسجد قريب، أريد أن أخطو إلى المسجد.. لا أذكر متى آخر مرّة دخلت فيها المسجد ولا أذكر آخر سجدة سجدتها .. هي المرّة الأولى التي أشعر فيها بالخوف والنّدم على ما فرّطته طوال السنوات الماضية .......مع أن المسجد كان مليئاً بالمصلّين إلاّ أنّي وجدت لسالم مكاناً في الصف الأوّل .. استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصليت بجانبه .. بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم مص*فاً... استغربت كيف سيقرأ وهو أعمى؟! هذا ما تردّد في نفسي، ولم أصرّ* به خوفاً من جر* مشاعره .. طلب منّي أن أفت* له المص*ف على سورة الكهف، نفّذت ما طلب، وضع المص*ف أمامه وبدأ في قراءة السورة، يا الله!! إنّه ي*فظ سورة الكهف كاملة وعن ظهر غيب!!! خجلت من نفسي، أمسكت مص*فاً، أ*سست برعشة في أوصالي، قرأت وقرأت، قرأت ودعوت الله أن يغفر لي ويهديني .. هذه المرّة أنا من بكى *زناً وندماً على ما فرّطت، ولم أشعر إلاّ بيد تمس* عنّي دموعي، لقد كان سالم!. عدنا إلى المنزل .. كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم، لكن قلقها ت*وّل إلى دموع *ين علمت أنّي صلّيت الجمعة مع سالم!!. من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد، هجرت رفقاء السوء وأصب*ت لي رفقة خيّرة عرفتها في المسجد.. ذقت طعم الإيمان معهم، عرفت منهم أشياء ألهتني عنها الدنيا.. لم أفوّت *لقة ذكر أو قيام .. ختمت القرآن عدّة مرّات في شهر وأنا نفس الشخص الذي هجرته سنوات!!! رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من النّاس .. أ*سست أنّي أكثر قرباً من أسرتي، اختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي، الابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم، من يراه يظنّه ملك الدنيا وما فيها .. *مدت الله كثيراً وصلّيت له كثيراً على نعمه .. ذات يوم قرر أص*ابي أن يتوجّهوا إلى أ*د المناطق البعيدة للدعوة، تردّدت في الذهاب، استخرت الله واستشرت زوجتي، توقعت أن ترفض لكن *دث العكس!! فر*ت كثيراً بل شجّعتني .. *ين أخبرت سالم عزمي على الذهاب، أ*اط جسمي بذراعيه الصغيرين فر*اً، ووالله لو كان طويل القامة مثلي لما توانى عن تقبيل رأسي .. بعدها توكّلت على الله وقدّمت طلب إجازة مفتو*ة بدون راتب من عملي، وال*مد لله جاءت الموافقة بسرعة، أسرع ممّا تصوّرت .. تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف، كنت خلال تلك الفترة أتصل كلّما سن*ت لي الفرصة بزوجتي وأ*دّث أبنائي .. اشتقت لهم كثيراً… كم اشتقت لسالم!! تمنّيت سماع صوته، هو الو*يد الذي لم ي*دّثني منذ سافرت .. إمّا أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم .. كلّما أ*دّث زوجتي أطلب منها أن تبلغه سلامي وتقبّله، كانت تض*ك *ين تسمعني أقول هذا الكلام إلاّ آخر مرّة هاتفتها فيها .. لم أسمع ض*كتها المتوقّعة، تغيّر صوتها… قالت لي: إن شاء الله .. أخيراً عدت إلى المنزل، طرقت الباب، تمنّيت أن يفت* سالم لي الباب لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره.. *ملته بين ذراعي وهو يصي*… بابا يا بابا يا… انقبض صدري *ين دخلت البيت، استعذت بالله من الشيطان الرجيم.. سعدت زوجتي بقدومي لكن هناك شيء قد تغيّر فيها، تأمّلتها جيداً، إنّها نظرات ال*زن التي ما كانت تفارقها .. سألتها ما بكِ؟! لا شيء.. لا شيء هكذا ردّت .. فجأة تذكّرت من نسيته لل*ظات، قلت لها: أين سالم؟! خفضت رأسها لم تجب، لم أسمع *ينها سوى صوت ابني خالد الذي ما يزال يرن في أذني *تى هذه الل*ظة… بابا ثالم لا* الجنّة عند الله !! لم تتمالك زوجتي الموقف أجهشت بالبكاء وخرجت من الغرفة .. عرفت بعدها أن سالم أصابته *مّى قبل موعد مجيئي بأسبوعين، أخذته زوجتي إلى المستشفى، لازمته يومين وبعد ذلك فارقته ال*مى *ين فارقت رو*ه جسده .. أ*سست أن ما *دث ابتلاء واختبار من الله سب*انه وتعالى… أجل إنّه اختبار وأيّ اختبار؟! صبرت على مصابي و*مدت الله الذي لا ي*مد على مكروهٍ سواه .. ما زالت أ*س بيده تمس* دموعي، وذراعه ت*يطني .. كم *زنت على سالم الأعمى الأعرج!!! لم يكن أعمى، أنا من كنت أعمى *ين انسقت وراء رفقة سوء، ولم يكن أعرج، لأنه استطاع أن يسلك طريق الإيمان رغم كل شيء .. سالم الذي امتنعت يوماً عن *بّه!! اكتشفت أنّي أ*بّه أكثر من أخوته!!! بكيت كثيراً … كثيراً، ومازلت *زيناً…كيف لا أ*زن وقد كانت هدايتي على يديه؟