قد يكون الضحك (فى عز الألم) هو نوع من التنفيس لكنه يعنى من منظور فلسفى آخر هو أقصى درجات التعلق بالحياة .. وإذا كانت الكتابة تعنى فن اقتناص اللحظة وتصويرها .. فإن روح الكاتب تسيطر على صاحبها حتى وهو يستسلم لمبضع الجراح معلقاً بين الموت والحياة.هذه بعض الهوامش التى أختزنتها فى ذاكرتى خلال تجربتى القاسية بين الأسرة البيضاء .. حملتها فى جعبتى وجئتكم بها فى حلقات لاتخلو من المرارة ، ولكن ماذا أفعل هكذا كانت إجازتى ـ والحمدلله ـ فهنيئاً لأصحاب الأجازات السعيدة .
* شورى ــــــــــــــــــــ
فى السرير المجاور كان مريض القلب يكره ( الحقن ) حتى الجنون ذات مرة إقتربت منه الممرضة البلغارية وقالت له فى وجل شديد : ــ مستر .. بليز ممكن حقنة ؟
علق أحد الظرفاء بقوله : ــ ( عولمة ) حتى العلاج أصبح بالشورى !!
* فضائيات ــــــــــــــــــــــــ
فى بهو المستشفى كنا نتابع التلفاز من حين الى أخر .. ذات مرة أطلت إحدى المذيعات الجميلات تستعرض فقرات البرنامج العام .. فقالت : ــ فى الرابعة مساءً موعد احبابنا الصغار مع (الحلقة الأخيرة) من سلسلة أخلاقنا الحميدة !!.. قلتُ متوجهاً الى سريرى : ــ ترى ماذا سيتابع الكبار فى فقرة السهرة ؟
* إصرار ــــــــــــــــــــ
أحد مرضى الأعصاب كان مصراً على المغادرة رغم أنف الطبيب ذات يوم كتب لزائريه على الوسادة :
ــ أنا إما فى بيتنا أو فى مخفر الشرطة فلاتبحثوا عنى فى ثلاجة الموتى !!
* رجال حوامل !! ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
ربطتنى علاقة بأحد الأطباء العرب فكنا نتجاذب ــ ذات مساء ــ أطراف الحديث فى شرفة المستشفى عن أطرف المواقف فقال :
كنا نقوم ــ أيام الدراسة ــ بتطبيق عملى فى أحد المستوصفات القروية عن جسم غريب ظهر فى صورة بالأشعة السينية لإحدى المريضات .. ظنناه فى البداية جنيناً فى شهره السابع .. واستبعدنا الإحتمال لإن المريضة كانت سيدة طاعنة فى السن لكن مازاد فى حيرتنا ان الجسم الغريب واصل الظهور فى صور أخرى أخذت لمرضى رجال مما أستدعى حضور الدكاترة المشرفين والأطباء المناوبين لدراسة هذه الظاهرة وأثناء إعادة تشغيل جهاز الإشعة
صدر منه صوت غريب يشبه المواء فإذا بـ ( قطة ) كانت مختبئة داخل الجهاز تقفزمسرعة بإتجاه النافذة وسط ذهول الجميع.. وعاصفة من الضحك !!
* آخر سيجارة ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
أستُدعى سائق سيارة الموتى ـ فى ساعة متأخرة من الليل ـ لنقل جثة قتيل الى التشريح عند الطبيب الشرعى بالعاصمة التى تبعد عن منطقتنا حوالى 160كيلومتر .. وعند إدارة محرك السيارة لم يتفطن السائق الى ركوب رجل الشرطة بجوار الجثة ــ فى اللحظة الأخيرة ــ وفى منتصف الطريق المقفرة إنتابت السائق هواجس الخوف من مرافقته وحيداً لجثة القتيل المشوهة.. ولكم ان تتخيلوا حالته عندما انفتحت النافذة الخلفية المظلمة لتخرج يد الشرطى ـ فجأة ًـ بجوار وجه السائق طالباً الولاعة لإشعال سيجارته التى كانت الآخيرة فى سفح الجبل !!
* ألف مبروك ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
لم يتمالك الرجل نفسه من الضحك عندما قال له الطبيب الأوكرانى:ـ
ــ مبروك خبيبى .. أنت حامل !!
ولم يكن يعلم ان ممرضة التحليل قد اخطأت فى كتابة أسمه على قارورة مشابهة لسيدة أخرى..
* واحدة بواحدة ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
بعد إنتهاء دوام الزيارة تنقلب الغرفة المجاورة الى ديوانية للشاى والغناء وألعاب الورق بطريقة صاخبة وكثيراً ماكنت ألفت نظر الطبيب الأجنبى ـ المناوب ـ الى هذا الإزعاج ـ طلباً للراحة ـ فيهز كتفيه دون إكتراث .. ذات مرة حاولت مخاطبة ضمير المهنة فى داخله فأنفجر غاضباً :ـ هذه بلادكم .. وهذه صحتكم ..
فأجبته ببرود خبيث :ـ لاتنسى ( ياعم سام ) ان ماتضعه فى جيبك هى أيضاً نقودنا !!
* مركبات نقص ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
مثلما لم يتخلص بعض العرب من عقدة ( الخواجه ) لم يتخلص بعض الغرب من عقدة الإستعلاء.. أعترف أننى ـ حتى فى اسوأ الظروف ــ لم أتخلص من عادة القرأة والإستماع الى موسيقى الكلاسيك .. تصادف أثناء مرور الطبيب الزائر أننى كنت أستمع فى هدوء الى موسيقى ( كسارة البندق ) لتشايكوفسكى وأطالع فى انسجام رواية ( الحب فى أزمنة الكوليرا ) لغابريل غارسيا ماركيز.. بينما تناثرت باقات الزهور فى ارجاء الغرفة وتبعثرت بعض المجلات العالمية على الكرسى.. تفرّس الطبيب فى ملامحى جيداً وسألنى فى لهجة عربية ركيكة :ـ
ــ أوووه .. فانتاستيك .. أنت من ليبيا ..؟
أدركت على الفور مرمى سؤاله الخبيث .. فأجبته بإبتسامة باهتة متظاهراً بوخز الألم !!
أشكر مروركم الكريم على هوامشى الرمادية .. وسعادتى بالغة لإعجابكم بما أكتب .. أدعو معى الله ان يوفقنى لإكمال هذه المخطوطة كنمط تجريبي جديد فيما يسمى حديثاً بقصة الومضة .. دمتم بحب وأسعدنى الله بروعة تواصلكم الحميم .
أشكر مروركم الكريم على هوامشى الرمادية .. وسعادتى بالغة لإعجابكم بما أكتب .. أدعو معى الله ان يوفقنى لإكمال هذه المخطوطة كنمط تجريبي جديد فيما يسمى حديثاً بقصة الومضة .. دمتم بحب وأسعدنى الله بروعة تواصلكم الحميم . [/right][/quote]