في جلسة هادئة على شاطئ الب*ر الجميل، *يث الأمان الدافئ والرا*ة والسكون، وأصوات الأمواج المتلاطمة التي يداعبها النسيم، وترانيم الطيور المهاجرة التي تزيد الغروب بهجة وانشرا*اً، يظهر لفاطمة ذلك الخيال الأسود من بعيد، ولا تستطيع تمييز هذا السواد أشب* هو أم إنسان؟ ثم يقترب ن*وها فتزداد رعباً إلى أن ترى ذلك الجسم الن*يل وهو يتقدم ن*وها بتلك الخطى المتثاقلة، إنها طفلة صغيرة بدت لها شا*بة منذ رأتها، ثم آنست إليها وانجذبت إلى م*ياها، ولا تدري ما الذي جذبها إليها؟ ربما نظرتها الشاردة التي تنطلق *ائرة من عينيها الغائرتين، أو تلك الابتسامة ال*انية التي تنبثق من ثغرها الصغير.
جلست بجوار فاطمة، إنها طفلة في سن البلوغ، تل* عليها في شراء بعض الأغراض البسيطة التي جاءت لتبيعها منها في ذلك الكيس الممزق،
سألتها فاطمة وبلهفة: ما الذي دفعك إلى أن تخوضي غمار ال*ياة وتتجولي لتبيعي وأنت فتاة وما زلت صغيرة؟ أما تخافين على نفسك من الأيادي الفاتكة؟ وأص*اب النفوس اللئيمة، من أن يصيبوك بأذى؟ وي*تالوا عليك فيسرقوك؟
ابتسمت المسكينة ابتسامة ثقيلة وقالت بصوتها ال*اني، ونبرتها الباكية: وإذاً على ماذا أعيش؟ وأنا لا أملك سوى ما أبيعه، فآكل نصفه وأزاول *رفة البيع بالنصف الآخر.
فأسرعت فاطمة في سؤالها ثانية: وما الذي جعلك لا تأكلين ولا تعيشين إلاَّ على ما تبيعين به؟ أما لك أسرة تنفق عليك؟ أما لك أب وأخ مسؤول عنك؟
زفرت زفرة كادت أن تخرج معها أ*شاؤها واسترسلت في بكاء طويل وما إن انتهت من البكاء *تى بدأت في سرد قصتها قائلة:
كنت أعيش في أسرة صغيرة، ت*فها الر*مة، ويعمها ال*نان، كان لي أبوان وثلاثة أخوة، كنت أ*ب عائلتي وي*بونني، كانوا يغدقون عليّ بكل ما أطلبه وما لا أطلبه، وكان والدي ب*اراً وله صديق *ميم وأخ وفي، لا يكاد يفارقه في السراء ولا في الضراء.
وفي ذات يوم مرضت زوجة إبراهيم صديق أبي مرضاً شديداً لزمت معه الفراش، فلم يعد زوجها إبراهيم يخرج من منزله إلا للصلاة، أو لطبيب يأتي به ليعالجها، ولبث ال*ال على ما هو عليه إلى أن نص*ه أ*د الأطباء بأن يذهب بها إلى الجبل فجو الجبل أنسب لص*تها من جو الجزيرة التي كانوا يقيمون فيها.
أسرع إبراهيم *يث كان *ريصاً على ص*ة زوجته وقرر الذهاب بها إلى الجبل *يث كانت تقيم أسرتها وأخذ في تجهيز متاعهما، ثم استدعى والدي مستشاره الأول في الذهاب معه ومرافقته لمدة يومين *تى يطمئن على زوجته فيتركها لأهلها، ثم يعود هو ووالدي إلى الجزيرة لاستكمال أعمالهما فيها.
واستمرت ال*ياة هكذا، زوجة إبراهيم في الجيل، وهو في الجزيرة، ون*ن مع والدي ننعم بوجوده وينعم بوجودنا.
*تى قدر الله أن يمرض صديق والدي مرضاً أ*س معه باقتراب أجله، فما كان منه إلا أن أخبر والدي بذلك، وطلب منه إذا توفي فليستقبل العزاء فيه ثلاثاً، ثم يذهب إلى الجبل ينعي خبر وفاته إلى زوجته ويعطيها مبلغاً كبيراً من المال كان قد أودعه إياه وهو كل ما يملكه من الدنيا.
وبعد أن توفي إبراهيم *زن أبي عليه *زناً شديداً، وبكى عليه بكاءً مريراً، واستقبل العزاء فيه ثلاثاً، ولكن ما لبث أن أنسته الدنيا صا*به، وأشغلته عن وصيته، فلم يذهب بمال زوجته التي طالما وصاه بها.
كنت أفكر في ذلك كثيراً، وأنتظر متى سير*ل والدي إلى الجبل ليؤدي الأمانة إلى أهلها.
*تى كانت الليلة المشؤومة التي استيقظت على نقاش *اد دار بين أبويَّ، فأخذني الفضول إلى أن أتجسس عليهما لأسمع ما الذي كان يدور بينهما، فسمعت ما أذهلني لقد كان أبي يعزم على أخذ المال، وينهر أمي ويزجرها *يث كانت تذكره بالأمانة وتنص*ه بإيصالها، وتذكره بصديقه الذي طالما أخلص له في *ياته والذي من واجبه أن يخلص له بعد وفاته.
لكن والدي غضب وثار، وضاقت عليه الأرض بما ر*بت وأخذ في تهديد أمي .
أما أنا فكنت ما بين ساخطة على أبي، ومشفقة على أمي، كنت ساخطة عليه لجرمه الذي ارتكبه، وذنبه الذي لا نطيقه، ومشفقة عليه من عذاب الله تعالى، وما كان مني إلا أن شاركت أمي في نص*ه، وأخذت أذكر والدي ب*ديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) وكنت أتلو عليه آيات مذكرة من القرآن لعله يتعظ.
ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ولم يرعوي، وأخذ يهددني بالقتل إن كررت نص*ي أو أفشيت سره.
فاستسلمت وأمي ل*كم الله ولجأنا إليه ندعوه الهداية لوالدي..
أصب* بعدها أبي من أغنى أغنياء القرية بعد أن تاجر بمال صا*به، وكسب من ورائه الثروات الطائلة، واستمتع به لكن دون وعي ل*ديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته).
ولكن *صل ما لم يكن في ال*سبان، ففي ذات ليلة كانت الريا* قوية، وأمواج الب*ر مرتفعة، وكانت ليلة شتاء قارص، وبينما ن*ن نائمون في منزلنا الذي كان يقع على شاطئ الب*ر، إذ تقدمت الأمواج وتقدمت، وكأنها تريد بيتنا *تى وصلت إلينا، فاستيقظنا فزعين بعد أن أ*سسنا بالأمواج تغمرنا، كان أبي ي*اول إخراجنا من البيت والهرب بنا، لكنه أدركنا الغرق فكان أبي من الهالكين، أما أنا فلم أفق إلا في مستشفى بهذه الجزيرة، فبدأت أسأل عن أسرتي، عن أبي، عن أمي، وإخوتي، فأخبرت أنه لم يعثر إلا عليَّ *يث كنت ملقاة على شاطئ الب*ر بعد أن نجاني الله من الغرق وجرفني الموج إلى هذه الجزيرة.
ولكنني أصب*ت بلا أهل، بلا مأوى، ولا مال، إلا ما ملكته ممن تصدقوا به عليَّ أص*اب الخير، أخذت أفكر في *الي فلم أجد سوى وسيلة البيع آكل منها وأدخر ما بقي *تى لا ينفذ مالي فأكون عالة على الناس.
لقد كان كل شقائي، وتعاستي، ومصيري بسبب والدي الذي شردني، وقتل أمي في أمواج ظلمه واعتدائه.
ثم أجهشت بالبكاء، وبكت فاطمة ل*الها، *زنت عليها *زناً مريراً، وما إن تفرقا *تى دخل الليل، وطغى الظلام، فعادت فاطمة إلى منزلها، وعادت المسكينة إلى *يث لا تدري..