|
الزمن القادم
الزمن القادم ....كتاب جميل جدا للدكتور عبد الملك القاسم يتكون من ثلاثة أجزاء به مجموعة من القصص الهادفة اللتي تترك فينا الكثير اذا قرأناها بتمعن وأرهفنا قلوبنا لكل كلمة نقرأها
قصص...غاية في الروعة ومكتوبة باسلوب أدبي رائع...كل قصة تستطيع ان تكتب منها عشرات الفوائد
سوف أبدأ من اليوم بعون الله سب*انه وتعالي بنشر قصة أو أكثر علي فترات متباعدة منتظرا تجاوبا من أ*بابي في هذا المنتدي....وفقكم الله الي ماي*به ويرضاه ونفع بكم امته وهدانا واياكم الي السراط المستقيم......
ومعا الي القصة الاولي
الزمن القادم الجزء الاول
بدت أختي شا*بة الوجه ن*يلة الجسم... ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم...
تب*ث عنها تجدها في مصلاها.. راكعة ساجدة رافعة يديها إلى السماء.. هكذا في الصبا* وفي المساء وفي جوف الليل لا تفتر ولا تمل...
كنت أ*رص على قراءة المجلات الفنية والكتب ذات الطابع القصصي.. أشاهد الفيديو بكثرة لدرجة أنني عُرفتُ به.. ومن أكثر من شيء عُرفَ به.. لا أؤدّي واجباتي كاملة ولست منضبطة في صلواتي..
بعد أن أغلقت جهاز الفيديو وقد شاهدت أفلاماً متنوعةً لمدة ثلاث ساعات متواصلة.. ها هو الأذان يرتفع من المسجد المجاور..
· عدت إلى فراشي..
تناديني من مصلاها.. نعم ماذا تريدين يا نورة؟
قالت لي بنبرة *ادة: لا تنامي قبل أن تُصلي الفجر..
أوه.. بقى ساعة على صلاة الفجر وما سمعتيه كان الأذان الأول...
بنبرتها ال*نونة –هكذا *ي *تى قبل أن يصيبها المرض الخبيث وتسقط طري*ة الفراش... نادتني.. تعالي أي هناء بجانبي.. لا أستطيع إطلاقاً رد طلبها.. تشعر بصفائها وصدقها.. لا شك طائعاً ستلبي..
ماذا تريدين...
اجلسي..
ها قد جلست ماذا لديك..
بصوت عذب رخيم: (كل نفسٍ ذائقةُ الموتِ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة)..
سكتت برهة.. ثم سألتني..
ألم تؤمني بالموت؟
بلى مؤمنة..
ألم تؤمني بأنك ست*اسبين على كل صغيرة وكبيرة..
بلى.. ولكن الله غفور ر*يم.. والعمر طويل..
يا أختي.. ألا تخافين من الموت وبغتته..
انظري هند أصغر منك وتوفيت في *ادث سيارة.. وفلانة.. وفلانة.
الموت لا يعرف العمر.. وليس مقياساً له..
أجبتها بصوت الخائف *يث مصلاها المُظلم..
إنني أخاف من الظلام وأخفتيني من الموت.. كيف أنام الآن.. كنت أظن أنك وافقت للسفر معنا هذه الإجازة..
فجأةً... ت*شرج صوتها واهتز قلبي..
لعلي هذه السنة أسافر سفراً بعيداً.. إلى مكان آخر.. ربما يا هناء.. الأعمار بيد الله.. وانفجرت بالبكاء..
تفكرت في مرضها الخبيث وأن الأطباء أخبروا أبي سراً أن المرض ربما لن يمهلها طويلاً.. ولكن من أخبرها بذلك.. أم أنها تتوقع هذا الشيء..
ما لك تفكرين؟ جاءني صوتها القوي هذه المرة..؟
هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضة؟
كلا.. ربما أكون أطول عمراً من الأص*اء..
وأنت إلى متى ستعيشين.. ربما عشرون سنة.. ربما أربعون.. ثم ماذا.. لمعت يدها في الظلام وهزتها بقوة..
لا فرق بيننا كلنا سنر*ل وسنغادر هذه الدنيا أما إلى جنة أو إلى نار.. ألم تسمعي قوله الله: (فمن زُ*زِ*َ عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)؟
تصب*ين على خبر..
هرولتُ مسرعةً وصوتها يطرق أذني.. هداك الله.. لا تنسي الصلاة..
الثامنة صبا*اً..
أسمعُ طرقاً على الباب.. هذا ليس موعد استيقاظي.. بكاء.. وأصوات.. يا إلهي ماذا جرى..؟
لقد تردت *الة نورة.. وذهب بها أبي إلى المستشفى.. إنا لله وإنا إليه راجعون..
لا سفر هذه السنة.. مكتوب عليّ إلقاء هذه السنة في بيتنا بعد انتظار طويل..
عند الساعة الوا*دة ظهراً.. هاتفنا أبي من المستشفى.. تستطيعون زيارتها الآن هيا بسرعة..
أخبرتني أمي أن *ديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير.. عباءتي في يدي..
أين السائق.. ركبنا على عجل.. أين الطريق الذي كنت أذهب لأتمشى مع السائق فيه يبدو قصيراً.. ماله اليوم طويل.. وطويل جداً..
أين ذلك الز*ام الم*بب إلى نفسي كي التفت يمنة ويسرةً.. ز*ام أصب* قاتلاً ومملاً..
أمي بجواري تدعو لها.ز أنها بنت صال*ة ومطيعة.. لم أرها تضيع وقتها أبداً..
دلفنا من الباب الخارجي للمستشفى..
هذا مريض يتأوه.. وهذا مصاب ب*ادث سيارة. وثالث عيناه غائرتان.. لا تدري هل هو من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة..
منظر عجيب لم أره من قبل...
صعدنا درجات السلم بسرعة..
إنها في غرفة العناية المركزة.. وسآخذكم إليها.. ثم واصلتِ الممرضة إنها بنت طيبة وطمأنت أمي أنها في ت*سن بعد الغيبوبة التي *صلت لها..
ممنوع الدخول لأكثر من شخص وا*د..
هذه هي غرفة العناية المركزة..
وسط ز*ام الأطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر إلي وأمي واقفة بجوارها.. بعد دقيقتين خرجتْ أمي التي لم تستطع إخفاء دموعها..
سم*وا لي بالدخول والسلام عليها بشرط أن لا أت*دث معها كثيراً.. دقيقتين كافية لك..
كيف *الك يا نورة..؟
لقد كنت بخير مساء البار*ة.. ماذا جرى لك..
أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: وأنا الآن ولله ال*مد بخير.. ال*مد لله ولكن يدك بادرة..
كنت جالسة على *افة السرير ولامست ساقها.. أبعدته عني.. آسفة إذا ضايقتك.. كلا ولكني تفكرت في قول الله تعالى: (والتفتِ الساقُ بالساق إلى ربك يومئذ المساق) عليك يا هناء بالدعاء لي فربما استقبل عن قريب أول أيام الآخرة..
سفري بعيد وزادي قليل.
سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت.. لم استمرت عيناي في البكاء.. أصب* أبي خائفاً عليّ أكثر من نورة.. لم يتعودوا هذا البكاء والانطواء في غرفتي..
· مع غروب شمس ذلك اليوم ال*زين..
ساد صمت طويل في بيتنا..
دخلت عليّ ابنة خالتي.. ابنة عمتي..
أ*داث سريعة..
كثر القادمون.. اختلطت الأصوات.. شيء وا*د عرفته.. نورة ماتت.
لم أعد أميز من جاء.. ولا أعرف ماذا قالوا..
يا الله.. أين أنا وماذا يجري.. عجزت *تى عن البكاء.. فيما بعد أخبروني أن أبي أخذ بيدي لوداع أختي الوداع الأخير.. وأني قبلتها.ز لم أعد أتذكر إلا شيئاً وا*داً.. *ين نظرت إليها مسجاه.. على فراش الموت.. تذكرت قولها: والتفتِ الساق بالساق) عرفت *قيقة أن (إلى ربك يومئذ المساق).
لم أعرف أنني عدت إلى مصلاها إلا تلك الليلة..
و*ينها تذكرت من قاسمتني ر*م أمي فن*ن توأمين.. تذكرت من شاركتني همومي.. تذكرت من نفّست عني كربتي.. من دعت لي بالهداية.. من ذرفت دموعه ليالي طويلة وهي ت*دثني عن الموت وال*ساب.. الله المستعان..
هذه أول ليلة لها في قبرها.. اللهم ارجمها ونوّر لها قبرها.. هذا هو مص*فها.. وهذه سجادتها.. وهذا.. وهذا.. بل هذا هو الفستان الوردي الذي قالت لي سأخبئه لزواجي..
تذكرتها وبكيت على أيامي الضائعة.. بكيت بكاء متواصلاً.. ودعوت الله أن ير*مني ويتوب عليّ ويعفو عني.. دعوت الله أن يثبتها في قبرها كما كانت ت*ب أن تدعو..
· فجأة سألت نفسي ماذا لو كانت الميتة أنا؟ ما مصيري؟
لم أب*ث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني.. بكيت بجرقة..
الله أكبر.. الله أكبر.. ها هو أذان الفجر قد ارتفع.. ولكن ما أعذبه هذه المرة..
أ*سست بطمأنينة ورا*ة وأنا أرددّ ما يقوله المؤذن.. لفلفت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر .. صليت صلاة مودع.. كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها..
إذا أصب*ت لا أنتظرُ المساء..
وإذا أمسيتُ لا أنتظرُ الصبا*..
__________________
قال أ*د الصال*ين: ان الارض لاتقدس أ*دا انما يقدس الانسان عمله فان أطهر بقعة علي وجه الارض هي اللتي تكون فيها لله أطوع وبأمره أقوم
|