* من أين أبدأ؟.. إنها أسئلة كثيرًا ما تتردد داخلنا، وتطرق أسماعنا، وتل* على قلوبنا، وليس الداعية بمنأى عن أمثال هذه الأسئلة، وليس هو بأغنى عن إصلا* نفسه والنظر الدائم فيها ومراجعتها؛ فالنفس متقلبة، وسب*انه وتعالى مقلب القلوب، ولَقلبُ ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا استجمعت غليانًا، كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم. ولعلك تفهم أن مجرد المعرفة والعلم بخطر المعصية لا يكفي للابتعاد عنها وتركها؛ فكم من علماء اجترءوا على ما لا يجترئ عليه جاهل! ولعلك تقول مت*يرًا: كم من مرة *اولت وقررت العودة، بل و*ددت لنفسي يومًا أو موسمًا أبدأ منه، ويمر اليوم وينقضي الموسم وأنا على *الي!! وكم من مرة بدأت فعلا، ولكن ما أكاد أسير في الطريق يومًا أو يومين إلا وأنتكس مرة أخرى لعوامل من داخلي، أو لطوارئ ودواعٍ من خارجي. إذن: ما العمل؟ وأين الطريق؟ لا بد لكل منا من نقطة ت*وُّل، يُ*َوِّل فيها مساره إلى طريق الله، ويهجر طريق الشيطان، وي*ذر قُطاع الطرق. في السطور التالية أرجو أن تعيرني قلبك لا سمعك، وإ*ساسك لا عينك، ون*اول سويًّا بإذن الله أن نتلمس سبيل الوصول إلى الله عز وجل في خطوات متدرجة، استقيتها من تجارب العلماء في بدء تعاملهم وإنابتهم إلى رب العزة سب*انه وتعالى. ومن البداية أقول لك: لا تظن أن الطريق سهل. فما تسعى إليه قد *ُفَّ بالمكاره والعقبات والأشواك، ولكنك عندما تصل ويفت* لك مولاك الباب ستنسى الالالأستنسى كل ألم، وستودع كل تعب، وست*س بلذة لا تضارعها لذة دنيوية. ال*جر الص*ي! أول ما يجب أن تقوم به هو عزل نفسك عن مَواطن المعصية ورفقائها؛ *تى لا تجد فرصة للمعاصي، فتنقطع تمامًا عن المعصية. ثم الزم الإل*ا* على معاتبة نفسك وتذكيرها ربها، وردد على سمعك دائمًا أنك لا بد ستموت إن عاجلا أو آجلا، وستلقى الله عز وجل في*اسبك. اصمت تسلم درِّب نفسك على أن تصمت أكثر مما تتكلم؛ فإن النفس إذا صمتت سكتت، فإذا طال سكوتها تبين لها الكثير مما كانت تخوض فيه من الباطل، وعندها تنكسر؛ إذ تعلم أنها متعرضة لسخط مولاها. ثم عاوِد العتاب مرة أخرى، وذكِّرها بذنوبها ومعاصيها ذنبًا ذنبًا، وعرِّفها عقوبة كل ذنب من تلك الذنوب؛ *تى تعترف وتُقِر. انسَ طاعاتك إذا اعترفت نفسك بالتقصير والذنوب؛ فأدِم تذكيرها بعظيم جرائمها وذنوبها، وأوهمها أنها لم تعمل في *ياتها إلا المعصية، وأنسِها في هذه المر*لة *سناتها وطاعاتها؛ *تى توقن بالهلاك إن لم تتب، ويستيقظ ضميرها، وتسيل دمعتها. فإذا ما استيقظ ضمير نفسك، وسالت دمعتها، وأيقنت بالهلاك فأخبرها بضرورة الإقلاع عن المعاصي والاستدراك، وأن هذا لا يتأتى إلا بهجران كل أسباب المعصية؛ من أص*اب وأهل وقرابة وأدوات، وأخبرها أنها لا تص* توبتها إلا بترك ذلك كله. أذلها بالجوع إذا نفرت نفسك من ذلك وأبَت؛ فاكسرها بكثرة الصيام، وأذلها بالجوع؛ فإن النفس إذا آلمها الجوع تخشع وتستمع وتستسلم للمعاتبة فتقبل، فإذا لم تقبل فذكِّرها بعذاب الله وسوء المصير؛ *تى تلين لك، وعندها ستجدها تعطيك وعدًا بترك المعاصي بعد قليل، وتسوف لك متعللة بقضاء بعض *وائجها. قاوم التسويف إذا وجدتها تسوف لك وتعد لأمد طويل أو قصير، فا*مل عليها *ملة شديدة بالزجر والتذكير بعدم ضمان الأجل، وأنه لربما تستوفي أجلها قبل أن ي*ين الموعد، وأعد عليها ذكر العقوبات والنقم. ت*لية بعد تخلية فإذا أذعنت لك وطاوعتك في قطع أسباب المعصية، فاعمل على إكسابها أضداد ما قطعته وفارقته؛ فاب*ث لها عن صا*ب مرشد بدلا من الصا*ب المغوي، وعلِّمها الذكر بدلا من السهو والغفلة، وألزمها التثبت والتفكر بدلا من الطيش والعجلة، وأذقها مناجاة الرب سب*انه وتعالى و*لاوة تلاوة كتابه. ومطالعة العلم، والتعرف على سير الصال*ين وأخلاقهم، بدلا من الخوض في الباطل ومجالسة الفاسدين المفسدين، وعندها تجتمع أنوار هذه البدائل في قلبك، ويستنير عقلك بموروثات الطاعة، ويؤيدك الله بمعونته، وتقهر أنوار الطاعة أهواء نفسك؛ فتت*ول الطاعة إلى طبع وعادة. مثلما كانت المعصية لها طبع وعادة. إياك والعُجب إذا وصلت نفسك لهذه المر*لة من الاستقامة على طاعة ربها؛ فربما نما فيها العُجب بطاعتها وتركها للمعصية، فازجرها عن ذلك، وذكرها بنظر الله عز وجل إلى ضميرها، وخوفها ب*بوط هذا العمل، وشككها في قبوله. تذكر ماضيك وإذا نجت النفس من العجب بأعمالها فربما وقعت في الكبر والاستطالة على الناس لما ترى من معاصيهم واستقامتها، فتزدري العاصين وتترفع عليهم، عندها ذكرها بماضيها وما كانت عليه، وأقرِع سمعها بقوله عز وجل: {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}، وقول القائل: "رب معصية أورثت ذلا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"، وخوفها من خاتمة السوء، *تى تعرف قدرها وتنفي الكبر عن ضميرها. ولكن لا تعتقد أن هذه هي النهاية؛ فكما يقولون: "إن الوصول إلى القمة سهل، ولكن ال*فاظ عليها هو الصعب"، فيجب أن تكون على *ذر دائمًا، وأن ترعى نفسك وتهذبها دومًا مما يعكر عليها صفو الطاعة؛ *تى تظل على هذه ال*الة من الاستسلام والانقياد لله عز وجل، والنفور من معصيته. وأخيرًا عليك الدوام على الدعاء بالثبات، وا*ذر الانتكاسة، واعلم أن الهداية من الله عز وجل