(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً).
السلام عليكم ور*مة الله وبركاته
إنه لا بد للإنسان في هذه ال*ياة أن يخالط الناس، ف*وله الجيران والأقارب ، وهناك
الزملاء في قاعات الدراسة، وهناك آخرون في أماكن العمل.
وب*كم هذه المخالطة مع أنواع مختلفة وأنماط متباينة فإنه لا بد وأن يصدر من بعض
الناس شيء من الإساءة يقل أو يكثر ، بقصد أو بغير قصد ، فلو تخيلنا أن كل إساءة
ستُقابَل بمثلها لت*ولت المجتمعات إلى ما يشبه الغابات، ولتخلى الناس عن خصال الخير،
ولغدوا بلا ضوابط ولا روابط.
و*تى لا يت*ول مجتمع المسلمين إلى ما يشبه هذه الصورة المنفرة فقد أمر الله تعالى
عباده المؤمنين بأن يدفعوا السيئة بال*سنة : (وَلا تَسْتَوِي الْ*َسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَ*ْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ *َمِيمٌ). (فصلت:34).
ولا شك أن الخصلة التي هي أ*سن من رد السيئة بمثلها إنما هي العفو والإ*سان ، أو
الإعراض وكف الأخذ والرد في موضوع الإساءة.
إنك- أيها ال*بيب- *ين تت*لى بهذا الخلق الكريم فإنك ت*افظ على وقارك واتزانك، فلا
تنجرف مع استفزازات الم*رشين اللاغين فتكون بذلك من عباد الر*من الذين وصفهم عز
وجل بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ). (المؤمنون:3)
وقوله تبارك وتعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ). (القصص:55)
وقوله تبارك وتعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً). (الفرقان: من الآية63)
وإنك *ين تعامل من أساء إليك بال*سنى ، تكون قد كظمت غيظك ف*ينئذ يصدق فيك قول
النبي صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على
رؤوس الخلائق يوم القيامة *تى يخيره من ال*ور العين ما شاء".
إن من أعظم ثمرات الدفع بالتي هي أ*سن أن يت*ول العدو الذي يجابهك بما يسوؤك
ويؤذيك إلى نصير مدافع وصديق *ميم.
سب*ان الله ! إن س*ر الخلق الفاضل ليفوق في كثير من الأ*يان قوة العضلات وسطوة
الانتقام، فإذا بالخصم ينقلب خلقا آخر: (ادفع بالتي هي أ*سن فإذا الذي بينك وبينه عداوة
كأنه ولي *ميم).
وقد ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله: ادفع ب*لمك جهل من يجهل عليك.
إننا رأينا خير الخلق م*مدا صلى الله عليه وسلم يت*مل إساءة المسيئين، ليس هذا ف*سب
بل كان يعفو ويصف*، وهذا ما وصفته به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها *ين
قالت: " ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصف*".
وهكذا كان الصال*ون رضي الله عنهم على نهجه صلى الله عليه وسلم يسيرون ، فهذا
أ*دهم يُسب فيقول لسابه: إن كنتَ كاذبا فإني أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقا
فإني أسأل الله أن يغفر لي.
إننا وإن كنا جميعا مطالبين بالت*لي بهذا الخلق فإن من رزقه الله سلطانا أولى بهذا من
غيره، ولهذا كان من آخر وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته قبل وفاته أن قال
موصيا بالأنصار خيرا:
"فمن ولي شيئا من أمة م*مد صلى الله عليه وسلم، فاستطاع أن يضر فيه أ*دا أو ينفع
فيه أ*دا، فليقبل من م*سنهم، ويتجاوز عن مسيئهم".
ولما جاءه رجل يشكو خادمه : إن لي خادما يسيء ويظلم أفأضربه؟ قال : " تعفو عنه كل
يوم سبعين مرة".
كذلك ي*تاج إلى هذا الخلق بصفة خاصة من كان له قرابة وأر*ام يسيئون إليه، فإنه لا
يقابل سيئتهم بمثلها ولكن يعفو ويصف* ويزداد إ*سانا، عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم
ويقطعوني، وأ*سنُ إليهم ويسيئون إليّ، ويجهلون عليّ، وأ*لم عنهم؛ قال: "لئن كان كما
تقول كأنما تسفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمتَ على ذلك".
قال النووي: (كأنما تطعمهم الرماد ال*ار، وهو تشبيه لما يل*قهم من الألم بما يل*ق آكل
الرماد ال*ار من الألم).
عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: لقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؛ فقال: "يا عقبة، صِلْ من
قطعك، وأعطِ من *رمك، وأعرض عمن ظلمك
إن الدفع بالتي هي أ*سن هو الدواء المرمم لما يبلى أو ينهدم من الروابط الاجتماعية ،
والمصل* لما يفسد منها ، والمجدد لما ينطمس منها، وبه ت*يا معاني الخير في النفوس ،
ويتبارى الناس في الإ*سان ، وتغلق أبواب الشر على الشيطان، ولا يتا* للإساءة أن
تتفاقم بل يغمرها الإ*سان ويقضي على دوافعها ورواسبها.
جعلني الله واياكم ممن نقول ونعمل .. وان يرزقنا *سن الخلق .. والعفو عن الناس