الدعاء الجماعي
م*مد عز الدين الغرياني
عضو هيأة التدريس بجامعة ناصر - طرابلس
دعاء الإمام بعد الصلاة يعتبر دعاء مشروعاً دلت عليه الأ*اديث والآثار النبوية ، ولكي تكون الصورة واض*ة لنا تمام الوضو* ندرس هذا الدعاء من خلال أسسه الثلاثة التي يتكون منها وهي :
الأساس الأول: رفع الإمام يديه
الأساس الثاني: دعاؤه بصيغة الجمع
الأساس الثالث: تأمين المأمومين على دعائه
.
.
.
.
الأساس الأول : رفع الإمام يديه
يعتبر رفع الإمام يديه بعد الصلاة *ين دعائه بالمأمومين رفعا مشروعا دلت عليه الأ*اديث النبوية الشريفة
روى الطبراني عن م*مد بن أبي ي*يى قال : رأيت عبد الله بن الزبير ، ورأى رجلا رافعا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته ، فقال له : إن رسول الله لم يكن يرفع يديه *تى يفرغ من صلاته
. [ قال ال*افظ الهيتمي : رجاله ثقات ( مجمع الزوائد 10/ 172 ) ] ،
فهذا ال*ديث الص*ي* يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء بعد أن يفرغ من صلاته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان إمام المصلين .
أخرج ال*افظ السيوطي في جزء سماه ( فض الوعاء عن أ*اديث رفع اليدين في الدعاء ) ذكر فيه مائة *ديث ، ومما ذكره ما رواه ابن أبي شيبة عن الأسود العامري عن أبيه قال :
" صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما سلم ان*رف ورفع يديه ودعا"
قال ال*افظ أبو الفضل عبد الله بن م*مد الصديق الغماري : الأسود عبد الله بن ال*اجب ذكره ابن *بان في الثقات ، وقال الذهبي : م*له الصدق وأبوه ص*ابي ، اتقان الصنعة ص 96 ط 97
الأساس الثاني : الدعاء بصيغة الجمع
يعتبر دعاء الإمام بعد الصلاة للمأمومين بصيغة الجمع دعاء مشروعا دلت عليه الأ*اديث النبوية أ*يانا بالصيغة العامة وأ*يانا بالصيغة الخاصة .
بالصيغة العامة : جاء في ص*ي* الترمذي بسند *سن عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال " كلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس *تى يدعو بهؤلاء الدعوات لأص*ابه : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما ي*ول بيينا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أ*ييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا ملبغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا ير*منا. الترمذي ، العارضة 13/ 32
وهذا ال*ديث يدل على :
أ*. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مواضبا في مجالساه المتعددة على الدعاء لأص*ابه ، ويدخل في لفظ المجلس الوارد في ال*ديث المجلس الذي يكون بعد الصلاة ، فقد جاءت الأ*اديث المتعددة التي تطلق كلمة ( المجلس ) على ما بعد الصلاة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أ*دكم إذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة ت*بسه ، والملائكة يصلون على أ*دكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه "
*ديث ص*ي* ، سنن ابن ماجه 1/133 ، وال*ديث موجود في الص*ي*ين انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ص 387
وفي ص*ي* مسلم " كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجرجلس في مصلاه *تى تطلع الشمس".
مسلم بشر* النووي 5/171
فهذان ال*ديثان يسميان ما بعد الصلاة مجلسا ، و*ديث ابن عمر السابق يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقوم من مجلس من مجالسه إلا ويدعو لأص*ابه ، ولاشك أنه صلى الله عليه وسلم كان *رصا في دعائه لغيره على مواطن استجابة الدعاء التي من أهمها مابعد الصلاة ، فقد سئل صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبات ( *ديث *سن ، نيل الأوطار 2/345 ).
ولا يعقل أن يكون صلى الله عليه وسلم يدعو لأص*ابه في مجالسه المتعددة *تى إذا جاء وقت القبول - وهو ما بعد الصلاة - امتنع من الدعاء لهم .
ب*. . أن صيغة الجمع في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها ال*اضرون من ص*ابته ؛ فقد أخرج ابن جرير والطبراني في السنن وال*اكم وص**ه عن جابر قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك . قلنا يا رسول الله : تخاف علينا وقد آمنا بك . فقال : إن قلب بني آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل فغذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه ازاغه " الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2/10 .
والشاهد أن الص*ابة كانوا يفهمون من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع أنه يقصدهم ولهذا قالوا في هذا ال*ديث بعد أن دعا بصيغة الجمع : ( تخاف علينا وقد آمنا بك )
بالصيغة الخاصة : فهمنا من ال*ديثين السابقين ؛ *ديث ابن عمر و*ديث جابر:
أ*. أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لأص*ابه بعد الصلاة من خلال ت*ليلنا للفظ العام في *ديث ابن عمر .
ب*. أن الص*ابة كانوا يفهمون من دعائه بصيغة الجمع أنه كان يقصدهم ويشملهم ، وقد جاء التصري* بأن النبي صلى الله عليه سلم كان يدعو بصيغة الجمع بعد صلاته ( أي يدعو لأص*ابه المأمومين ) ،
فقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولإذا قضي صلاته : " اللهم إني اسألم ب*ق السائلين عليك ، فإن للسائلين عليك *قا ، أيما عبد أو أمة من أهل البروالب*ر تقبلت دعوتهم واستجبت دعاؤهم أن تشركنا في صال* ما يدعونك به ، وأن تعافينا وإياهم ، وأن تقبل منا ومنهم، وأن تتجاوز عنا وعنهم بأنا آمنا بما أنرلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين "( الدر المنثور 2/40 ) ،
وهذا ال*ديث يدل على :
أ*. ص*ة الت*ليل ل*ديث ابن عمر السابق ، وص*ة الاستنتاج منه بأنه صلى الله عليه سلم كان يدعو لأص*ابه بعد الصلاة .
ب*. التشريع للأئمة بالدعاء للمأمومين .
ت*. جواز الدعاء بالقبول بعد الصلاة ، وجواز الدعاء بالقبول بعد تمام العمل وراد في القرآن ، قال سيدنا ابراهيم بعد إتمامه عمل البناء ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) ، وقد جاء الأمر الإلهي لرسول الله صلى الله عليه سلم ولأمته بالإقتداء بسيدنا ابراهيم في قوله ( وتلك *جتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) إلى أن قال : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) الانعام : {83-90}
الأساس الثالث : تأمين المأمومين على الدعاء:
عن *بيب بن مسلمة الفهري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن سائرهم ( أي يقول آمين ) إلا أجابهم الله " رواه الطبراني ورجاله رجال الص*ي* غير ابن لهيعة ، وهو *سن ال*ديث . مجمع الزوائد 10/173
ويؤخذ من هذا ال*ديث :
أ*. أن الدعاء الجماعي دعاء مقبول ، وأن التأمين عليه سبب في الإستجابة ، وهو ما دل عليه أيضا ال*ديث الشريف الص*ي* : " ما رفع قوم أكفهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئا إلا كان *قا على الله أن يضع في أيديهم الذي سألوا " (رواه الطبراني ورجاله رجال الص*ي* ، مجمع الزوائد 10/172 ، باب ماجاء في الاشارة في الدعاء ورفع اليدين)
ب*. أنه يدعو إلى مادعت إليه الاية الكريمة الآتية من الترغيب في الدعاء الجماعي ، ومن التبشير باستجابته : ( وقال موسى ربنا إنك آيتي فرعون وملأه زينةوأموالا في ال*ياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا *تى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما)يونس : 88،
فهذه الاية بدأت بالدلالة على ان الداعي فرد وا*د ( وقال موسى ) ، وختمت بأن الداعي شخصان ( أجيبت دعوتكما ) ، لأنه كما قال عكرمة رضي الله عنه كان موسى عليه السلام يدعو ، ويؤمن هارون ، فذلك قوله ( أجيبت دعوتكما ) [ الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3/341 ] ،وكان هارون عليه السلام *ريصا على الدعاء الجماعي ، قال أبو هريـره وابن عباس رضي الله عنهما : ( كان موسى إذا دعا أمن هاورن على دعائه ، يقول آمين ) [ المرجع السابق ] ،
وهذا يدل على :
أ. أن الص*ابة كانوا مطالبين شرعا بالتأمين على دعاء الرسول صلى الله عليه سلم *ين كان يدعو لهم بعد الصلاة ، لأن الله تعالى يقول عن موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء والمرسلين كنو* وإبراهيم وسليمان ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)الانعام:90،
والص*ابة رضي الله عنهم مدركون لدلالة هذه الآية ، وأنهم مطالبون بالإقتداء بالأنبياء السابقين فيما لايخالف الشريعة الاسلامية :
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن العوام قال : سألت مجاهدا عن سجدة (ص) ، فقال : سألت ابن عباس من أين سجدت - أي ما دليلك على السجود فيها - ، فقال : أو ما تقرؤون : " ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى هارون " إلى قوله : ( أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده ) ، فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به ، فسجد بها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه سلم .الدر المنثور 5/336
ب. أن ال*رص على دعاء المقبولين منهج إسلامي عمل به المرسلون أولا ، ثم عمل به الص*ابة والتابعون من بعد :
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن أبي *اتم عن أنس رضي الله عنه أن ثابتا قال له : إن أخوانك ي*بون أن تدعو لهم ، فقال : اللهم آتنا في الدنيا *سنة في الآخرة *سنة وقنا عذاب النار . الدر المنثور 1/242
وجاء في ال*لية لل*افظ أبي نعيم أن عمر بن عبد العزيز جلس إلى قاص العامة بعد الصلاة ، وكان يرفع يديه إذا دعاال*لية 5/277، أي يرفع يديه إذا دعا بهم دعاء جماعيا .
وآخر دعوانا أن ال*مد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا م*مد وعلى آله وص*به في كل وقت و*ين .
.
.
.
منقــول