المرأة التي خضبت الوجع بأنهار الأمل بقلم هداية شمعون **ص*فيه فلسطنيه ر*اب كنعان
لقد كان عطاء المرأة الفلسطينية مميزًا مما زاد الصورة إشراقًا، *يث نذرت المرأة الفلسطينية نفسها لأجل أن ي*يا الآخرون، و*ملت ولدها جري*ًا أو شهيدًا تزغرد له وتبكي، لكنها بقيت صامدة ولم تترك مكانها النضالي شاغرًا. وهنا تقول ر*اب كنعان:
ت*ضر قبورهم وصورهم المتناثرة إلى أشعاري
نزيف الكلمات المكلومة له مذاق موجع إلى *د الموت...
تدفقت كلماتها و*روفها النارية مع دموع القهر واللوعة.. بينما ن*ن ننكأ جرا*ها بقلمنا!
ر*اب كنعان... ليست ككل النساء... فقد ا*تملت ما لا يطيقه البشر!.
امرأة الفصول الأربعة.. امرأة من وجع.. ومرارة في ال*لق تكبر.. رسموا لها طريق الآلام. وألقوها في أتون الو*دة... ولكن بقيت ما بقي الوطن والأمل...
فقدت وا*دًا وخمسين شهيدًا في يوم وا*د!!!
ر*اب ت*تضن وا*دًا وخمسين شهيدًا من عائلتها في صومعة الذكرى؛ إذ فقدت الأم، والأب... الإخوة، والأخوات في مجزرة تل الزعتر، تلتقيهم وهي رافعة الرأس شامخة، لكن يأبى ال*زن إلا أن يظللها مرة أخرى فينتقي ابنها ماهر شهيدًا في صبرا وشاتيلا..
أية امرأة هي تلك التي تنهض من رقادها وت*مل *زنها في كف وموتها في الكف الآخر؟ ولتضرب أروع الآيات في النضال والصمود وقوة الإرادة والصبر.. ليفخر ال*جر والشجر بها. لم تكتفِ بالصمود، بل أبدعت من ألمها، ورسمت من مداد دمها الشعر؛ لتفجر طاقاتها الكامنة، وتبدأ طريقها ككاتبة مقدامة.. فكان كتابها الأول: "تل الزعتر: مملكة التنك وجمهورية الثوار شاهد على التاريخ".
بدمعة من *نين
ناديت من جندلتهم القنابل
ب*ثت عنهم بين ركام المنازل
كلمتني بقايا الجدران
بهذه الكلمات تبتدئ ر*اب *ديثها قائلة:
"ولدت في لبنان في العام 1959م. وكانت أسرتي قد هاجرت من قرية "قديثا" قضاء صفد إثر نكبة العام 48. وسكنت الأسرة المهجرة في مناطق عدة من لبنان إلى أن استقر بها في مخيم "تل الزعتر" بيوتنا كانت من تنك وصفي*. كنا نبلل الأرض بالماء لنتمكن من الجلوس على قطع الخيش ونت*امل على وجعنا من هذه المعيشة، *لّق والدي بعينه قائلاً: "غدًا سنعود إلى بلدنا؛ اصبروا فلم يتبق الكثير...". أذكره جيدًا وقد كنت صغيرة، كان يت*دث عن قريته *تى إنه شوقنا لرؤيتها، فكنا ننسى لل*ظات *ياة الذل والهوان التي كنا نعيشها.."...
وتكمل ر*اب: "كنت أنقل دائمًا الماء النظيف أنا وأختي، أ*مل تنكة صغيرة طوال اليوم. نذهب ونجيء، تجرعنا المهانة والذل في طوابير الوقوف كي نذهب لل*مامات العامة، فلم يكن يسم* لنا الدرك بإضافة أي بناء لبيوتنا المتهالكة".
وتلو* شبه ابتسامة على شفتيها وتقول: "كانت أمي تجلس وتراقبني *ين أذهب لل*مام، وتبقى في انتظاري إلى أن أعود، فتأخذني من يدي للبيت خوفًا عليّ.
وتتقطع الكلمات في فم ر*اب؛ فتنهمر دموعها إيذانًا بنوبة غضب جام*، وتكمل ونشيجها يدق أبواب السماء، كنا نعود ونت*لق *ول أبي الذي كان ي*دثنا دومًا عن فلسطين، لعلنا نصبر على عذاباتنا: ثم نعود لنلعب بالتراب وعندما بلغت الرابعة عشرة تزوجت. كنت أزور أهلي دومًا مع طفلي "ميمنة" و"ماهر"، فغمرني *نان الإخوة والأخوات. وتدثرت ب*نان أمي وأبي، رغم بؤس المخيم و*ياته الصعبة".
كيف ر*لوا
وعندما بدأ *صار المخيم كنت أتابع الأخبار، وكنت أذهب يوميًّا للسؤال عن الجر*ى من عائلتي، كان ال*زن العميق يغمرني؛ لأني كنت بعيدة عنهم، لكن قلبي كان دائم الخفقان عليهم قلقًا في كل *ين.
وتتابع ر*اب: "كانت أمي توصي الجميع قائلة: لا تتجمعوا في مكان وا*د.. تفرقوا في الملاجئ كي لا تموتوا جميعًا!! إلا قبل يومين من سقوط المخيم. فقد تجمع الأقارب في ملجأ وا*د، ذلك أن القلق قد نهش قلوبهم على بعضهم البعض؛ فكأنما لسان *الهم يقول: "لنمت معًا أو لن*يا معًا وكان لهم ما اعتقدوه".
كنت في "شاتيلا" جسدًا لكن عقلي وقلبي كانا هناك؛ مع أهلي في "تل الزعتر" أسأل الطير عنهم.. وأتخيل دائمًا أن أ*دهم قد وقع مصابًا أو شهيدًا؛ فقد كان أبي لا ي*ب، مطلقًا، المكوث في الملاجئ، أما أختي.. فقد كانت دومًا في خارج الملجأ لت*ضر للأسرة الطعام والشراب... وعندما سم*وا بإخراج الجر*ى من المخيم هرولت في كل مكان، وصادفت الأستاذ عدنان أستاذي بالمدرسة، وكان جارًا لأهلي، يومها لم أكن ب*اجة لكلماته لا أعرف ما *صل، فقد كانت عيونه تنطق بشيء آخر غير الكلمات التي خرجت من فمه: "لا تصدقي كل ما يقال لك". وقد عرفت فيما بعد أن كلماته كانت بمثابة إعداد لي لتلقي الصدمة..
فيما بعد قابلت إ*دى صديقات الدراسة، واست*لفتها بالله فقد أنهكني السؤال والتعب أيامًا وليالي، فأجابتني بجرأة لم أتخيلها: "لقد استشهد كل آل *مزة".
ولم أكد أفيق من صدمة ما أخبرتني به صديقتي *تى *دثوني عن ال*الة التي أصابتني، فقد كنت أقفز أمزق شعري، وأنا لا أعي ما *ولي، وقد أفقت لأجد نفسي *افية القدمين، باكية العينين م*رومة من الأهل والسند...
وتواصل ر*اب كنعان *ديثها الملتاع على فقدها لكل أسرتها: "اثنتان من أخواتي الشهيدات كانتا مخطوبتان وفي انتظار عرسهما، أما الصغرى فلم تكن قد تجاوزت التسع سنين.. أتساءل دومًا: والدي ووالدتي وإخوتي كلهم دفعة وا*دة؟! أي *قد أعمى هذا...؟ أي جنون هذا الذي استهدف ملجأ المدنيين العزل؟؟؟؟
لا أخفي صعوبة المتابعة، فالشاهد ال*ي يصلبنا ب*كايته ويست*ضرها بكل تجلياتها؛ فيسود الصمت المكان من نشيج مكتوم لا زال نازفًا... فلا زالت الجرو* *ية... مهما طال الزمان وبعد المكان...
تضيف ر*اب: ماتوا جميعًا؛ وقد كان *لمهم العودة إلى فلسطين، وهانا أعود إلى أرض الوطن لأ*يي ذكراهم، فكتبت عن المذب*ة؛ لأشعر أنهم عادوا معي إلى هنا، وأنهم خالدين في ذاكرة التاريخ ولم يندثروا، فدونت المعاناة والأ*لام التي عاشوها.. وأ*اول جاهدة من خلال الندوات والأمسيات الشعرية التي أ*ييها أن يصل صوتي إلى الذين ر*لوا مبكرًا في هذه المجزرة البشعة، وهذا أعتبره وفاء للعهد لهم ولكل شهداء تل الزعتر.
وتعود ر*اب بذاكرتها للأيام التي تلت المذب*ة، فتقول: عدت للمخيم لعلي أرى جثامين أهلي.. وعندما دخلته؛ لم أعرفه ولا أعرفهم أبدًا.. أبدًا.. فلا بيوت، ولا بنايات.. وإنما مجرد مسا*ة كبيرة منبسطة من الأرض، لا يظهر عليها سوى آثار المجنزرات التي م*ت معالمها. مشيت وسط الخراب، فوجدت امرأة عجوزًا تس*ب جثة من جوف الأرض الم*روثة... ذهبت إليها وسألتها: أين المقبرة يا خالة؟ ردت بدموعها المنسابة: أنت وسط المقبرة يا بنيتي، هاج صدري وكاد قلبي يتوقف من هول الصدمة.. نهضت ألملم بقايا قواي المتناثرة... نظرت *ولي رأيت طيف الشهداء يعتليه الأزهار التي نبتت وسط الخراب والدمار. مشيت أ*اول ت*ديد الملجأ الذي سقط فيه ما يقرب من خمسمائة شهيد لعلي أعثر على جثمان أمي أو أبي أو إخوتي، فما وجدت إلا بركة من الدم لونها كلون القطران.. جلست على *افة البركة أست*ضر أهلي وجهًا لوجه وأستصرخهم اسمًا اسمًا، ولم أستفق إلا وأنا خارج المخيم.
رصيد الصمود
كانت المرأة الفلسطينية -وما زالت- وقود الثورة والصمود وتجلت نضالاتها في ال*صار الذي فرض على مخيم تل الزعتر قبيل سقوطه؛ إذ لم تسم* النساء للشباب بدخول الملاجئ وقمن يوجهونهم للقتال. أما من كان صغيرًا فقد كن يوجهونه لمساعدة المقاتلين في جلب ما ي*تاجون إليه، بينما يقمن هن بطهي الطعام وإرساله للمقاتلين، وكذلك إ*ضار الماء والسلا*، وعلى الرغم من القصف الهمجي فقد كن يقمن با*تضان الأيتام وإسعاف الجر*ى أو تدريبهم على *ماية أنفسهم بالسلا* الأبيض.
القبور بقيت هناك
ترصد ر*اب ر*لة منافيها وتتابع... *ديثها
عشت في تونس أربعة عشر عامًا بعدما تزوجت للمرة الثانية، وقد أنجبت ولدين وبنتًا وا*دة، لم أتمكن من رؤية ابنتي ميمنة طوال خمسة عشر عامًا، فال*دود كانت ضدي لم أعرف، *يث لم يسم* للفلسطينيين الذين غادروا لبنان *تى بمجرد زيارتها، أي ظلم هذا...!!! فقد فقدت أخبار ابنتي وأخبار ابني ماهر، فقد تركتهما وكان لها من العمر ثماني وله من العمر خمس سنوات، *تى كان ذلك اليوم الذي علمت فيه باستشهاد ابني ماهر واثنين من أبناء خالتي في صبرا وشاتيلا؛ ليصب* في خاصرة عمري أربعة وخمسين شهيدًا.. كانت صدمة موجعة أن أفقد ابني ماهر، فكأني فقدت كل عائلتي من جديد.. سمعته بقلبي وهو مصاب يصرخ باسمي قائلاً: أماه أقسم بأني قد سمعته، وتنشد ر*اب قائلة...
أماه
طرزي لي ثوب الفر*
فأنا را*ل
للأرض أرويها بدمائي
أزرع فيها أشلائي
أعانق الفراشات الطليقة
أ*تضن الشعب
والماء والتراب
أ*طم قيود السبي والمنافي
أماه...
وتصمت قليلاً لتواصل... أما ابنتي ميمنة فقد فوجئت وأنا في تونس بإ*دى صديقاتي ت*ضر لي صورها وهي عروس فاكتمل المأتم في قلبي الصغير؛ إذ شهدت كل أفرا* شباب وصبايا الآخرين إلا فر* ابنتي التي لم أستطع أن أ*تضنها وأقف إلى جانبها يوم فر*ها.
وتضيف لقد رأتني ابنتي في قناة فلسطين الفضائية في بداية الانتفاضة، وتمكنت من م*ادثتها بعد طول عناء يومها قالت لي وسط نوا*ها: أمي لقد ا*تضنت التلفزيون *ين رأيتك، واجتمع كل من بقي من العائلة *ين رأوني؛ ليت*ول المكان إلى شبه مأتم فقد أخذوا يقبلون صورتي، بينما أبث شجوني ولوعتي لهم عبر الأثير، ولا أنسى قول ابنتي لي أخاف يا أمي أن أموت دون أن أشم رائ*ة *ضنك، فأدمت كلماتها قلبي وما زالت...، وقد شاءت الأقدار أن تجمعني بابنتي، *يث جمعوني بها العام الماضي في قناة أبو ظبي الفضائية في الإمارات العربية المت*دة في أجواء كانت بالنسبة لي كال*لم، *يث رأفوا ب*الي وذبت في *ضنها الصغير بعد هذه السنوات المريرة والتي ما زالت تكبر بيننا، لقد *ققوا لي *لمي المذبو* ورأيتها بأم عيني...
الشعر والموت
وتتابع ر*اب كنعان تفاصيل مأساتها... بإي*اء من هذه المآسي نشرت ديواني الأول وكان بعنوان "البسمة المجرو*ة" وذلك في تونس وكنت أكتب لمجلة أشبال زاوية بعنوان "رسالة أم فلسطينية"، وشاركت في العديد من الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية في تونس، وقد تم تكريمي في العديد من المناسبات على مستويات مختلفة، وأذكر بامتنان شعب تونس الشقيق الذي كان معطاء إلى أبعد ال*دود، وقد قمت أيضًا بتنظيم العديد من الفعاليات والأنشطة باسم فلسطين في المهرجانات السنوية التي تقام هناك، وكنت أدرب فرق الأشبال والزهرات وأصنع لهم الثوب الفلسطيني أقدمهم باسم فلسطين، أما *اليًّا فما زال قلمي ينزف شعرًا، *يث نشرت ديوانين يضمان مائة وخمسين قصيدة، ولكن لم تتم طباعتها للأسف لأسباب مالية، كذلك فقد كتبت مسر*ية باسم "عرس الشهيد ماهر" ومثلت في تونس، وكنت قد كتبتها بعد ر*يل ابني ماهر، كما كتبت رواية عن ال*صار في لبنان، ولكني لم أجد السبيل لنشرها...
ر*اب تذكرت ماضيها وأيامها وقالت... كل ما أتمناه أن يمن*ني الله مزيدًا من الصبر والسلوان، وأن أجد قلبًا *نونًا وأذنًا صاغية *تى لا أعيش في وطني بإ*ساس اليتيمة، فلست أريد لأبنائي الثلاثة أن يتجرعوا كأس المرارة الذي تجرعته *تى آخر قطرة، ومنتهى أمنيتي أن يكون لي أنا وأبنائي بيتًا يظلني أنا وأولادي بقية العمر، فالمشوار ما زال طويلاً، وخوفي عليهم يكبر عليهم كل يوم، بينما أود أن أكمل رسالة الأمومة لأبنائي *تى يشقوا طريقهم ويبنوا مستقبلهم.
مأساة .. مأساة مؤلمة راسية
نتمنى ان تكون عاتية بلا مرفئ
كي لا تتجرع الأمة الإسلامية ما تجرعته
تلك الأم وما ا*تضن قلبها من الم ومعانات
سلمت يدك اخت ر*اب لمى خطته اناملك رغم ملئه
من *زن بل اعماق الا*زان والألام
لك ارق الت*ايا