ال*مد لله رب العالمين الذي خلق فسوى وقدر فهدى والصلاة والسلام على نبينا م*مد الذي أعلى ربُّه قدره ورفع بين العالمين ذكره وأثنى على أخلاقه فقال ( وإنك لعلى خلق عظيم ) صلى الله عليه وعلى آله وص*به ومن سار على دربه وترسّم خطاه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
أمــــا بعـــد :
فإن الإنسان كما يقال ( مدني بطبعه ) لا بد له في *ياته من العيش مع مجموعة من الناس يتعامل معهم وي*تك بهم وي*تاج إليهم ، وهذا التعامل لا يكون - بالطبع – مع أجساد مجردة بل هو بالإضافة إلى ذلك يكون مع أروا* لها شعور وإ*ساس فهي تغضب وتتألم وت*ب وتكره كما قال المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم ( الأروا* جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) ، ومن هنا برزت أهمية الأخلاق ، فالأخلاق عبارة عن غرائز كامنة تظهر بالاختيار وتُقهر بالاضطرار كما عرّفها الماوردي ر*مه الله ،وأصل الخُلُق هي السجيّة التي يكون عليها الإنسان .
وإن الناظر إلى تعاليم الإسلام يجد أنه قد أولى هذا الجانب عناية عظيمة من *يث ال*ض على مكارم الأخلاق ، وبيان الأجر المترتب على الاتصاف ب*سن الخلق ، وفي المقابل العقاب على سوء الأخلاق .
ولذا فإننا سنسلط الأضواء على هذا الموضوع المهم ونذكِّــر به ل*اجتنا الماسة إليه وذلك من خلال عناصر متتالية أسأل الله تعالى أن يكتب لي أجرها وأن ينفع بها من قرأها وهو *سبي ونعم الوكيل وبه ثقتي وعليه اعتمادي .
تعريف *سن الخلـــق :
تنوعت أقوال الأئمة في تعريف *سن الخلق لكنها تصب كلها في مصبٍّ وا*د فقد ذكر الإمام ابن رجب ر*مه الله أقوال بعض الأئمة في تعريفه فقال في كتابه جامع العلوم وال*ِكم : عن ال*سن قال : *سن الخلق الكرم والبذل والا*تمال .
وعن ابن المبارك قال : هو بسط الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى .
وقال الإمام أ*مد : *سن الخلق أن لا تغضب ، ولا ت*تد وأن ت*تمل ما يكون من الناس .
فكل هذه التعريفات كما أسلفنا تصب في مصب التعامل ال*سن مع الناس والصبر على ما قد يكون منهم . قال ابن القيم ر*مه الله : وجِماعه ( أي *سن الخلق ) أمران : بذل المعروف قولا وفعلا ، وكف الأذى قولا وفعلاً ، وهو إنما يقوم على أركان خمسة : العلم والجود والصبر وطيب العود وص*ة الإسلام .
هل *سن الخلق فطري في الإنسان أو مكتسب ؟؟
قد يمن الله تعالى على بعض عباده بأن تكون أخلاقهم *سنة ومعاملاتهم طيبة من أصل طبعهم وجبلَّتهم كما جاء في ص*ي* مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبدالقيس رضي الله عنه : ( إن فيك خصلتين يُ*بّهما الله ورسوله ال*لم والأناة ) .
وفي رواية : أنه قال : يا رسول الله أنا أتخلّق بهما أم الله جبلني عليهما ؟ قال : بل الله جبلك عليهما . قال : ال*مد لله الذي جبلني على خلتين ي*بّهما الله ورسوله .
وهذا نبينا م*مد صلى الله عليه وسلم قد جُبل على *سن الأخلاق *تى عرف بالصادق الأمين وقد استعرضت خديجة رضي الله عنها شيئا من أخلاقه عندما جاءها وقد اشتد عليه الو*ي فقالت كما في ص*ي* البخاري وغيره : كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الر*م وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتغيث الملهوف وتعين على نوائب ال*ق .
ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان لا قدرة له على ت*سين أخلاقه أو الترقي في سلم الأخلاق إلى الأفضل والأ*سن ، فقد جاء في الص*ي*ين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار لما قدموا إليه يسألونه المال : ماعندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يتصبر يصبِّره الله ، ومن يستغن يغنه الله .
وهذه الأمور إنما هي أخلاق وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من *اول أن ي*صلها فسيعينه الله على ت*صيلها .
قال الشاعر : هي الأخلاق تنبت كالنبات ### إذا سُقيت بماء المكرمات
وقال الآخر : يا أيها المت*لي غير شيمته ### ومن سجيته الإكثار والملق
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ### إن التخلّق يأتي بعده الخلُق
ما مجالات *سن الخلُــق ؟؟
*سن الخلق يكون مع الله كما يكون مع الناس ، فأما *سن الخلق مع الله فيكون بالرضا ب*كمه شرعا وقدرا ، وتلقي ذلك بالانشرا* وعدم التضجر ، فإذا قدر الله على المسلم شيئا يكرهه رضي بذلك واستسلم كما قال تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال علقمة ر*مه الله : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم .
كما أن من *سن الخُلق مع الله طاعة أوامره واجتناب نواهيه، واللهَج ب*مده والثناء عليه وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة .
وأما *سن الخُلق مع الخَلق فيكون بما تقدم من تعريف *سن الخلق .
ولذلك فقد جمع الله عز وجل *سن الخلق في آية هي جماع الأخلاق في سورة الأعراف قال تعالى : ( خذ العفو وأمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) . يقول الإمام ابن قتيبة : جمع الله في هذه الآية كل خلق عظيم ؛ لأن في العفو : صلة القاطعين ، والصف* عن الظالمين ، وإعطاء المانعين .
وفي الأمر بالعرف : تقوى الله وصلة الأر*ام وصون اللسان .
وفي الإعراض عن الجاهلين : الصبر وال*لم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه .
ما ثمار *سن الخلــق ؟
ل*سن الخلق ثمار كثيرة منها ما هو في الدنيا ، ومنها ما يكون في الآخرة ، ولا شك أن ما يكون في الآخرة أعظم وأجل ، فمن ثمار *سن الخلق في الدنيا :
1) أن يكثر أ*باب الإنسان ويقل أعداؤه .
2) صا*ب الخلق ال*سن تسهل له الأمور الصعاب وتلين له القلوب فيعود ذامّه *امدا ، وعدوه صديقا كما قال تعالى ( ولا تستوي ال*سنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أ*سن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي *ميم ) سورة فصّلت.
3) را*ة النفس واطمئنان القلب *يث يعلم أنه لم يؤذ أ*داً ولم يكدّر صفو أ*د .
وأما ثمار الخلق ال*سن في الآخرة فهي كثيرة منها :
1) أنه سبب في دخول الجنة - لا *رمنا الله منها - فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : ( تقوى الله و*سن الخلق ) . رواه الترمذي .
2) أن سبب في *ب النبي صلى الله عليه وسلم والقرب منه قال عليه الصلاة والسلام : (إن من أ*بكم إليّ وأقربكم مني مجلس يوم القيامة أ*اسنكم خلقا ) رواه الترمذي .
3) *سن الخلق أثقل ما يُوضع في الميزان قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من *سن الخلق ) رواه الترمذي .
4) أن *سن الخلق علامة كمال الإيمان قال صلى الله عليه وسلم : ( أكمل المؤمنين إيمانا أ*اسنهم أخلاقا ) . رواه الترمذي .
5) كذلك فصا*ب الخلق ال*سن قد يل*ق غيره من أص*اب الصيام والقيام في الدرجة يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن ليدرك ب*سن خلقه درجة الصائم القائم ) رواه أبو داود .
وسائل عملية لت*سين الأخلاق .
أخي الكريم بعدما تقدم نذكر بعض الوسائل العملية في ت*سين الأخلاق ونعني بها الأمور التي إن فعلها الإنسان ت*سنت أخلاقه ، فمن كانت هذه الصفات فيه فلي*مد الله ولي*افظ عليها ، ومن كان يفتقد شيئا منها فلي*اول شيئا فشيئا كما مرّ بك – أخي الكريم – أن الصفات ال*ميدة يمكن اكتسابها بالممارسة التعوّد ، ولا شك أن هذا الأمر ليس بالأمر السهل بل لا بد فيه من المجاهدة كما قال ابن القيم ر*مه الله :
إن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طُبعت النفوس عليها .. ثم قال ر*مه الله : فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز كسر جيوش الرياضة وشتتها ، واستولى على مملكة الطبع . ويعني بقوله ( سلطان الأخلاق ) الدين والإسلام *يث قال في موضع آخر : وأما ص*ة الإسلام فهو جماع ذلك والمص** لكل خلق *سن ، فإنه ب*سب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء و*سن موعود الله وثوابه يسهل عليه ت*مل ذلك ، ويلذ له الاتصاف به .
وبعد ذلك – أخي الكريم – أذكر ما ي*ضرني من الوسائل التي أ*سب أنها مهمة في الترقي في سلم الأخلاق الفاضلة فمن ذلك :
1) ضبط اللسان فيبتعد المسلم عن السب والشتائم والسخرية واللمز بالناس .
لسانك لا تذكر به عورة امرئ ### فكلُّـك عورات وللناس ألسن .
ولو *صل من الناس سب لك وأذيّة فاعتبر هذا امت*ان لك لاختبار صبرك وت*ملك ، فكن من الصابرين الذين أثنى الله عليهم بقوله جل ذكره (ولا تستوي ال*سنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أ*سن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي *ميم () وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو *ظٍ عظيم ) سورة فصلت . مع أنه لا تثريب عليك أن ترد بقدر ما اعتدي عليك به لكن العفو والصبر هو أكمل وأجر فاعله على الله قال تعالى ( فمن عفا وأصل* فأجره على الله ) وقال سب*انه ( ولَمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور ). سورة الشورى .
2) عند الغضب ، وهي أشد ما يقع فيه الناس ، ف*الة الغضب *الة هيجان في*اول أن يُسكّن نفسه ، فمن ذلك :
أ*) أن يذكر الله ويستعيذ به من الشيطان الرجيم فقد جاء في الص*ي*ين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلين يستبان فأ*دهما ا*مرّ وجهه وانتفخت أوداجه فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم كلمة لو قالها لأذهب الله عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان )
ب*) أن يغير ال*الة التي هو عليها وقت الغضب فإن كان قائما جلس وإن كان جالسا اضطجع كما جاء التوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، أو يغير المكان الذي فيه وقت الغضب.
ج) أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم والخسارة والهم والغم، فكم من بيوت هُدمت ، وأُسر شتِّـت وعلاقات قُـطِّـعت كل ذلك بسبب ل*ظة غضب !!
د) أن يتذكر الغاضب قُب* صورته *ال الغضب من انتفاخ الأوداج وب*لقة العينين وا*مرار الوجه .
هـ) أن يتذكر ثواب العفو والصف* فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كظم غيظا وهو قادر على أن يُنفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة *تى يخيره من ال*ور ما شاء ) رواه أبو داود .
3) ومن الوسائل العملية في ت*سين الأخلاق م*بة الخير للناس ، ومعاملتهم كما ت*ب أن يعاملوك ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( من أ*ب أن يز*ز* عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ألذي ي*ب أن يؤتى إليه ) رواه مسلم
4) طلاقة الوجه مع الناس فيقابلهم بوجه مبتسم غير عبوس ، فإن هذا من المعروف قال صلى الله عليه وسلم ( لا ت*قرنَّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ) رواه مسلم . كما أن هذه الابتسامة من الصدقة قال صلى الله عليه وسلم ( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ) رواه الترمذي وهو *ديث ص*ي* .
وبعد - أخي القارئ الكريم – فهذا ما تيسر جمعه *ول موضوع الأخلاق وقد عرفت أنه ضرورة شرعية اجتماعية ؛ لكن يبقى كلمات عابرة و*بر على ورق ما لم يصادف همة العظماء وعزم الرجال ليستفاد منه في الواقع أسأل الله تعالى أن يُ*سّن أخلاقنا كما *سّن خُلقنا وأن يعيينا على أنفسنا، وأن يتولانا بر*مته وصلى الله على نبينا م*مد وعلى آله وص*به أجمعين .