أوراقنا المالية قذرة مكرمشة مهلهلة ملزقة, وعليها أسماء وأختام وأرقام, لا هي ورقة لحمة, ولا هي ورقة بردي. واعتدنا عليها مع الأسف. ولكن السياح يسألوننا دائما: لماذا لا تسحبها البنوك كلما أصبحت قبيحة؟ ولماذا تكتبون عليها؟ ويندهشون كيف أن كل عملات الدنيا في متناولنا, ولم نتعلم منها شيئا. فأوروبا الآن(25 دولة) لها عملة واحدة هي اليورو. الورقة متينة جديدة.. نظيفة دائما. وعلي الرغم من أنهم يتداولونها من سنتين فكأنها خرجت الآن من المطبعة. وقد أقيمت مسابقة ضمت44 فنانا في سنة1996. وكانت هناك شروط لشكل ورقة اليورو: أن تكون معالمها أوروبية قديمة وحديثة دون تمييز بين الدول. فقد كانت فرنسا تضع صورة الفنان سزان علي الفرنك, وألمانيا تضع صورة الأخوين جريم مؤلفي قصص الاطفال علي المارك, وإيطاليا تضع صورة مخترع الراديو ماركوني. وفاز في هذه المسابقة العالمية الرسام النمساوي روبرت كالينا. فقد اختار سبعة مناظر من كل أوروبا التي مزقتها الحروب والمذاهب الدينية, والفوارق الطبقية والاقتصادية والسياسية. ولكنه اكتفي بأن جعل أهم معالم هذه العملات معمارية, وفي الوقت نفسه سياسية تاريخية: الأبواب والنوافذ والبواكي والجسور. وجعل فيها خريطة أوروبا. ثم جعل عليها نجوما بعدد الدول الاعضاء. وجعل النجوم علي شكل دائرة. والدائرة رمز الكمال, وفي نفس الوقت ليس لها أول ولا آخر.. أي لا فرق بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة. ولو فكرت الدول العربية أن تكون لها عملة موحدة, لكان ذلك أول أسباب الخلاف بين لبنان والسودان واليمن والمغرب ومصر وليبيا.. وما هي معالم هذه الدول وما أولاها بالعناية والرعاية.. ما علينا في الكلام عن الوحدة في اللغة والدين والسياسة والجغرافيا والتاريخ. وكلها من أسباب الخلافات المستمرة ـ إن شاء الله! سألتهم: لماذا لا تتمزق الاوراق في أيديكم وتتسخ وتتلوث وتتكرمش؟ فأدهشهم السؤال, وجاءت تساؤلاتهم مدهشة أكثر.. ثم أشاروا بأيديهم الي أحد أبناء الشرق الأوسط وقد وضع ورقة اليورو بين شفتيه؟! وكان الصمت: ولا قالوا ولا قلت شيئا!