في تاريخ الشعر العربي عدد من الشعراء الف*ول لا تن*سر عنهم دائرة الضوء، فأسماؤهم دائما بارزة في قوائم المبدعين ووجودهم ساطع متألق لا يخبو وميضه مع *ركة الزمن، ولا تنقصف أعواده من مهب الري* والأعاصير. ويبرز من بين هذا الوجود الشامخ، وال*ضور المتوهج *سان بن ثابت الأنصاري، لا باعتباره طاقة شعرية هائلة ف*سب، بل باعتبار انه شاعر استطاع في مر*لة من مرا*ل *ياته أن يوظف هذه الطاقة لتؤدي دورا هو
بلا شك أجل وأعظم دور قام به شاعر في تاريخ الشعر العربي كله. وهل هناك ما هو أشرف وأعظم من الدفاع عن الإسلام، والوقوف إلى جانب النبي عليه الصلاة والسلام في مواجهة الشرك والوثنية، وتأييد الدعوة التي جاء بها رسول الله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، والإشادة بما تنطوي عليه من قيم إنسانية عليا، والتغني بانتصارات المسلمين على طريق نشر الدعوة الإسلامية ورثاء شهدائهم الأبرار، وهل يمكن أن يعمل إنسان شاعرا كان أو غير شاعر لغاية أشرف من هذه الغاية؟ *سان بن ثابت من أهل المدينة ين*در من بيت شريف من بيوت الخزرج، وينتمي إلى بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أبوه فهو ثابت بن المنذر الخزرجي من سادة قومه، ومن أشرفهم، وأما أمه فهي الفزيعة بنت خنيس بن لوزان بن عبدون وهي أيضا خزرجية.
و*سان بن ثابت أ*د المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام، ولد بالمدينة، ونشأ في الجاهلية، وعاش على الشعر، فكان يمد* المناذرة والغساسنة، وبالغ في مد* آل جفنة من ملوك غسان فأغدقوا عليه العطايا، وملأوا يديه بالنعم، ولم ينكروه بعد إسلامه فجاءته رسلهم بالهدايا من القسطنطينية، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم *سان مع الأنصار، وانقطع إلى مد*ه والذود عنه، وأصب* الشاعر المناف* عن دين الإسلام، فاشتهر بذلك ذكره، وارتفع قدره، وعاش ما عاش موفور الكرامة مكفي ال*اجة من بيت المال *تى توفي سنة 54 للهجرة بالغا من العمر مائة وعشرين سنة، وقد كف بصره في آخر أيامه.
صورتان فنيتان
يقول الأديب الدكتور م*مد مصطفى سلام: لقد كان *سان يتغنى بالشعر، وربة الشعر تطاوعه في جاهليته وإسلامه *تى ملأ به القلوب والأسماع، وأجمعت العرب على انه اشعر أهل المدر، وشعره كشعر غيره من المخضرمين يجمع بين صورتين فنيتين صادقتين للشعر، إ*داهما جاهلية، والأخرى إسلامية تعد مظهرا قويا لتأثر الأدب الإسلامي بالقرآن وال*ديث وأ*داث الإسلام وعقائده.
لقد دعا *سان إلى التغني بالشعر، وأجود الشعر عنده ما جادت به القري*ة مطابقا للواقع وسلامة المنطق، وشاعريته م*لقة تستلهم السماء فتو*ي إليه بالعذب المعجز، وهو أمير نفسه في شعره، فلم يلتزم مذاهب غيره من شعراء عصره كزهير والنابغة والأعشى وال*طيئة وغيرهم، ولم يعمد إلى التكلف في شعره، ولم ي*فل بتنقي*ه بل كان يرسله كما أوصت به القري*ة و*دثت به النفس ودعت إليه ال*ال وكثيرا ما اضطرته بعض المواقف الإسلامية إلى الارتجال، فلا غرابة أن تتنوع أساليبه ومعانيه وتتباين ألفاظه ومبانيه، وأن تجتمع في قصائده الفخامة واللين والغريب والمألوف.
*ول موهبة *سان وشاعريته يقول الشاعر الإسلامي صلا* الدين السباعي: لقد عاش *سان في الجاهلية شاعرا قبليا يصوغ شعره في روية وأناة ويراجعه ويجوده قبل أن يخرج به على الناس، مما وفر لقصائده مستوى فنيا عاليا، وعندما دخل *سان الإسلام اكتشف أن دوره في تأييده ومؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه في مواجهة المشركين، يفرض عليه جانبا تسجيليا وتاريخيا للمواقف والأ*داث التي شهدتها الدعوة الإسلامية، ولم يكن *سان يمتلك أداة للتسجيل والتأريخ افضل من الأداة التي تمرس على استخدامها طويلا قبل الإسلام، وهي هذه الأوزان العروضية التي كان في الجاهلية يعبر من خلالها عن أفكاره ومشاعره.
وهكذا اتخذ *سان من هذه الأوزان وسيلة لتسجيل تلك المواقف والأ*داث شأن أي مؤرخ *ريص على تدوين *قائق التاريخ، ومن هنا جاء إنتاجه بالنسبة لهذا الجانب التسجيلي خاليا تماما من نبض الشعر ودقته و*رارته، بمعنى انه عندما كانت الأ*داث تتوالى فإن كل اهتمامه كان ينصرف إلى ال*رص على تسجيلها فقط، وبالتالي فإنه يت*ول من *ين إلى آخر إلى ناظم وفقا ل*ركة الأ*داث. وعندئذ تغطي عنده ال*قيقة التاريخية على ال*قيقة الشعرية وب*يث تتوارى، وذلك على ن*و ما نرى في رده على أبي سفيان بن *رب وفخره على *سان بمقتل عدد من المسلمين من بينهم *مزة عم الرسول في واقعة أ*د:
ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت *مزة منهم نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه وشيبة وال*جاج وابن *بيب غداة دعا العاص عليا فراعه بضربه عضب بله بخضيب
فهذه الأبيات كما نرى ليس فيها إلا تذكير لأبي سفيان بانتصار المسلمين في واقعة بدر وتسجيل لأسماء سراة المشركين الذين قتلوا فيها. وفي شعر *سان الكثير والكثير جدا مما يسجل هذه الأ*داث والمواقف ومما يؤرخ ل*ياة الرسول مما أشاع الاستشهاد بشعره في الكتب التي تناولت السيرة النبوية.
بين الجاهلية والإسلام
يؤكد النقاد أن شعر *سان بعد إسلامه لم يكن في قوته وجزالته في الجاهلية *يث افتقر شعره الإسلامي من وجهة نظر بعض النقاد وأساتذة الأدب العربي إلى الجزالة وقوة الصياغة التي كانت له في الجاهلية.
لكنه في مقابل ذلك كان يتمتع بقدر كبير من ال*يوية والرقة والسلاسة، ويتوهج من *ين إلى آخر بتدفق عاطفي يكشف عما في قلبه من دفء و*رارة ويثبت للذين ارجعوا ضعف شعره إلى شيخوخته أن قلب الشاعر لا يشيخ.
ويتفق النقاد على أن أساليب *سان بن ثابت بعد إسلامه قد سلمت من ال*وشية والأخيلة البدوية، لكن خالطها لين ال*ضارة، ولم تخل في بعض الأغراض من جزالة اللفظ وفخامة المعنى والعبارة كما في الفخر وال*ماسة والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ومعارضته المشركين وهجومهم.
يقول الدكتور م*مد مصطفى سلام: لقد غلبت على أساليب *سان الشعرية الصبغة الإسلامية كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأ*داثه والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين، كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف وسهولة المأخذ وواقعية الصورة وقرب الخيال، واكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى تو*يد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية وذكر مآثرها وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين وبعض ما مد* به الرسول صلى الله عليه وسلم أص*ابه أو رثاهم به.
نماذج من إبداعاته
لا يتسع المجال هنا لتقديم نماذج عديدة من شعر *سان، ولذلك فإننا نكتفي باختيار بضعة أمثلة قد لا ت*دد بشكل *اسم القيمة الفنية لشعره الإسلامي، ولكنها على الأقل تومئ إلى مستوى الآفاق التي *لق فيها. يقول عن الرسول مشيرا إلى مكانة قومه واعتزازه بتأييده عليه الصلاة والسلام والوقوف إلى جانبه في مواجهة المشركين:
نصرناه لما *ل وسط ر*النا بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا وطبنا له نفسا بفيء المغانم
أما مدائ* *سان في الرسول صلى الله عليه وسلم فتكشف عن عمق إيمانه به وعن مدى *به وإجلاله له عليه الصلاة والسلام من ذلك قوله:
وأ*سن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء
فإذا انتقلنا من المد* إلى الرثاء وجدنا *سان يرثي الرسول بمجموعة من القصائد التي تنم عن شعور صادق بال*زن والتي تنصهر فيها المعاني في بوتقة داكنة قاتمة، وتكاد الكلمات تت*ول فيها إلى دموع، ومن ذلك قوله:
فابكي رسول الله يا عين عبرة ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد وجودي عليه بالدموع وأعولي لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد فما فقد الماضون مثل م*مد ولا مثله *تى القيامة يفقد
منقول
__________________
ليس عيب اننا نتعلم بل العيب اننا نجهل اننا تعلمنا ومِن مَن تعلمنا
لاتأسفن على غدر الزمان فطالما رقصت على جثث الاسود كلاب ولات*سبن برقصها تعلو على اسيادها تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
لا تشكو للناس جر*ا انت صا*به لا يؤلم الجر* الا من به الم