لماذا يا أبي؟
كان والدي قاسيا جدا معنا، كل شيء ممنوع وكل شيء محرم، حتى ابسط الأشياء ممنوعة علينا كان يلعب دور سي السيد ببراعة معنا ومع أمي، عندما نسمع صوت سيارته تسرع كل واحدة منا إلى غرفتها مذعورات كالفئران كان ينادي والدتي بأم البنات فهي لم تنجب له الولد الذي طالما تمناه، كبرنا في المنزل الكبير وبفرح صغير كنا لا نعرف الفناء الخارجي حتى لو لم يكن موجودا لأن الوالدة كانت تخاف أن يأتي فجأة ويجدنا في الخارج فيصب جام غضبه عليها وعلينا، إلى أن أتى اليوم الذي قرر به البدء بتزويجنا كانت طبعا الكبيرة هي كبش الفداء إذ تزوجت في الخامسة عشرة الى رجل يصغر والدي بسنوات قليلة، أتذكر يوم فرحها كم كان الحزن واضحا على وجهها، حصل كل شيء بسرعة ودون أن نشعر، عندما أخذها عريسها من يدها كانت مسمرة في الأرض وعيناها الدامعتان تنظران إلينا وكأنها تقول لنا خلصوني، قال هيا بنا وامسكها من معصمها وجرها كالشاة ونحن نبكي فراقها...
صرخ بنا أبي قائلا لِمَ البكاء وكأنها ميتة كفى اذهبن من أمامي وان شاء الله أزوجكن كلكن وأرتاح منكن.
لكنه توفي قبل أن يحدث ذلك ماذا أقول فهو والدي لكنني لم اشعر يوما بعاطفته نحو أي واحدة منا، كان الرعب مسيطرا علينا منه طوال الوقت، عندما توفي لم تبك واحدة منا مع أننا حاولنا ان نمثل البكاء والحزن أمام الناس لكننا لم ننجح كثيرا حتى شقيقته التي لم تتزوج لغاية الآن بسببه لم تذرف دمعة عليه كانت تجلس في العزاء فقط ليرونها الناس بأنها موجودة، والدتي المسكينة بكته بحرقة، فهو مهما كان زوجها مع انها تحملت منه الكثير وتزوج عليها عدة مرات لكن ولا واحدة منهن استطاعت ان تحتمل سلوكه أكثر من اشهر معدودة فكن يطلبن الطلاق قبل ان تحملن، لكن والدتي تحملت كل شيء من اجلنا كنا نسمعه عندما يحطم الصحن إذا كان الطعام ينقصه الملح او يضربها إذا ناداها كما كان يطلق عليها اسم يا وجه الشؤم ولا ترد عليه فأحيانا كانت كرامتها وعزة نفسها تجبرانها على عدم الرد عليه فيكون نصيبها الضرب، كانت إذا وقفت في وجهه عندما يحاول ضرب واحدة منا تزيده شراسة فيضربها بالعقال الى ان تقع عند أقدامه فيركلها وينطلق كالمجنون الى غرفنا فيسحبنا من تحت السرير او من الخزائن حيث كنا نختبىء ونحن نرتجف من الخوف، كنت أحاول ان استرجع الأيام برأسي علني أجد في ذاكرتي ما يجعلني احزن عليه فلا أستطيع،،، بعد مرور أيام على وفاته كنا جميعنا نجلس في الحوش نتمتع بأشعة الشمس نبقى الى ان يحل الليل ونشعر بالهواء العليل يداعب وجوهنا فالطقس جميل في هذا الوقت من السنة، ولم تمر ستة اشهر على وفاته كنا قد تجمعنا أمام شاشة التلفزيون الذي كنا نراه للمرة الأولى حيث ابتاعت لنا الوالدة الشاشة الكبيرة كشاشة السينما بعد ان ركبت جهاز الدش كنا لا نصدق بأننا نرى ما نرى فالعالم كله أمامنا الألوان تخطف الأنظار نعم لا تستغربوا فنحن لم نكن نمتلك واحدا فهو كان يأتي الى المنزل في وقت الغذاء وينام ثم يخرج ولا يعود حتى وقت متأخر من الليل في المدرسة كنا نسمع الفتيات يتحدثن عن البرامج فنخجل أن نقول لهن إننا لا نملك واحدا، كنا لا نخرج من المنزل إلا إلى المستشفى إذا مرضت واحدة منا ومع أننا نعيش في قلب مدينة دبي فنحن لم نسمع عن المهرجان سوى الآن لم يكن يزورنا احد تقريبا فأهل الوالدة في إمارة ثانية وكانوا حين يأتون للزيارة يتشاجر معهم كعادته مع الجميع مرة تلو الأخرى أصبحت زياراتهم لنا تقل إلى أن انقطعت تقريبا والذي تبقى من أهله هما والدته العجوز وشقيقته التي بقيت في المنزل لأنه لم يرض بالشاب الذي تقدم لها وهي لم ترض بغيره.
نحن الآن نعيش أياما لم نحلم أن نعيشها من قبل ونرى أشياء لم نرها من قبل حتى ان الوالدة أتت بخادمة لتعاونها وننصرف نحن لدراستنا، أصبحنا نخرج بالسيارة كل يوم أصبحنا نرى الابتسامة على وجه أمي المسكينة أصبحنا نتردد الى المراكز ونبتاع الملابس والعطورات فعلنا كل شيء لم نكن نفعله في السابق. ابتاعت لنا أمي كمبيوترات ولم تكن تبخل علينا بشيء مما حرمنا منه من قبل، وأرسلت بطلب شقيقها لتوظف قسما من أموال أبي بمشروع مع مشاريعه، عادت عائلة أمي تزورنا ونحن نزورهم لعدة أيام رحمه الله كيف كان يستطيع أن يسجننا كل هذا الوقت دون نتمتع بشيء والأهم انه حرمنا من حنانه وعطفه حرمنا من أن نستمتع بكلمة أبي حرمنا من السعادة من البسمة كان إذا سمعنا نضحك يأتي والشرر يتطاير من عينيه ويصرخ بنا لننام، كنت أود ان اسأله لماذا يفعل بنا هكذا، لماذا هذه المعاملة القاسية فنحن بناته من دمه ولحمه لماذا؟ سؤال كان ولا يزال يدور في رأسي لكن والدتي أطال الله بعمرها تقول لنا لا بأس فهو مهما كان والدكن وأنا أكيدة من انه كان يحبكن جدا لكن طباعه هكذا، أدعو له الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته... سامحك الله يا أبي
(( القصة منقووولة عن لسان شخص)) ,,
محمد